المثقف الافتراضي وأزمة الثقافة العراقية…سلام مكي

876-300x187جوهر الأزمة الثقافية، يتمثل بوجود الرجل المناسب في المكان المناسب! في حين نجد إن الأزمة السياسية، تتمثل بالعكس! فالمسؤول عن المؤسسة الثقافية هو مثقف، ولد من رحم الثقافة، واختياره لم يكن على أسس طائفية أو قومية كما في السياسة. مع ذلك، نلاحظ إن أزمة الثقافة أعمق وأفدح من أزمة السياسة. هذه الأزمة، حولت المتن إلى هامش طويل، والهامش، إلى متن. المؤسسة الثقافية، المثقف، هما ركنا الثقافة، وهما المتسببان بأزمتها المزمنة. المثقف الذي تحول الى كائن غريب عن مجتمعه ووسطه، اذ تنازل عن دوره الأخلاقي والاجتماعي، وتجرد من أحاسيسه، لصالح نرجسيته، لصالح حقن معنوية يمنحها سذّج ومتملقون ووصوليون. في المؤسسة الثقافية، ثمة مشكلات وآراء وحدود رسمها الزمن القريب، لذلك نجد إن من الطبيعي، أن تتولد المشكلات والأزمات داخلها، إضافة الى تأثرها الواضح بالأنموذج السياسي، ولكن: ماهي مبررات تحول المثقف إلى جزء من الأزمة، في وقت عليه أن يكون جزءاً من حلها؟ لقد كشفت لنا التكنولوجيا الحديثة ممثلة بمواقع التواصل الاجتماعي والنت، الهوية الحقيقية للمثقف العراقي، وما يحمله من أفكار وقناعات، وكشفت لنا عن أولوياته ومدى اقترابه من الثقافة أو ابتعاده عنها. لقد كشف لنا (الفيس بوك) عن الوجه الحقيقي لكثير من المثقفين العراقيين، وكشف لنا موقفهم الحقيقي من قضايا وطنهم ومدى رسوخ الوازع الأخلاقي والثقافي داخلهم. المتابع لحسابات أبرز المدونين من المثقفين، يصل إلى قناعة بأن بعضاً من هؤلاء لا علاقة له بالثقافة ولا بالدين ولا بالأخلاق. ولنا أمثلة كثيرة في هذا الشأن. فهناك مثقف، في ذروة المعارك بين القوات العراقية ومسلحي داعش، نجده ينشر على صفحته الشخصية رابطاً لمقال له في موقع الكتروني يتحدث عن معاناة أوروبا جراء الهجرة غير الشرعية لها! وآخر يكتب عن خسارة البشرية جراء تهديم آثار سوريا! وآخر يكتب عن عائلة يهودية عاشت قبل قرون في أحد أحياء الجنوب العراقي! وآخر يكتب عن الصابئة والشبك، في وقت تعاني هذه الأقليات من إرهاب داعش يومياً. هذا المثقف يريد أن يقول لنا: انه مثقف فعلاً، إذ لا يفرق بين أبناء دينه وبين الأديان الأخرى وهي قمة الثقافة بالنسبة إليه! كما يرفض هذا المثقف النيل من الارهاب، لأن في ادانته هذه، قد ينال من طائفة معينة وهو ما يخالف كينونته الثقافية! وهناك مثقف، يتصيد الأحداث ليلبسها ثوباً طائفياً، أو يستعمل نفوذه الثقافي على الآخرين داخل العالم الافتراضي ليمارس الشتم والسخرية من الآخر الذي يختلف معه ثقافياً أو طائفياً. هذه هي انشغالات المثقف العراقي واهتماماته. في وقت يعيش البلد حرباً ضد أشرس عدو عرفته البشرية. فأين دوره في ترسيخ قيم الجمال والإنسانية؟ أين دوره في محاربة الإرهاب بقلمه؟ أين دوره في الكشف عن الفساد والمفسدين؟ لماذا عليه أن يقف على الحياد برغم أن أحد الأطراف هو الوطن؟ نعم، قد يمارس بعض المثقفين، النقد حيال القضايا العامة، ولكنه، نقد هدّام، نقد أعور، يغض النظر عن الطرف الذي لديه مصالح معه، أو عن الطرف الذي ينتمي إلى طائفته، في حين نراه يصرخ ويشتم الطرف الآخر، بكل ما يملك من قوة. ان المثقف العراقي اليوم، أصبح جزءاً أساسياً من الأزمة الثقافية التي يمر بها البلد، فإضافة الى سلوكه البعيد عن الثقافة، نرى بعض المثقفين، يجاملون المؤسسة الثقافية على حساب الثقافة، بل نرى بعضهم يدافعون بكل ما يملكون من أقلام وأصوات عن أسماء بعينها، تشغل مناصب ثقافية برغم أن تلك الأسماء عليها ملاحظات. وللأسف، لا أمل بمعالجة حقيقية لأزمة الثقافة العراقية، لعدة أسباب، منها: غياب الإرادة الثقافية لدى المثقف العراقي، إذ أن إصلاح الثقافة ليس من أولوياته. فلو حاول المثقف إصلاح المؤسسة الثقافية أو الثقافة بصورة عامة، كما يحاول إشباع نرجسيته وتضخيم أناه، إضافة إلى أن المثقف، غير قادر على تجاوز حساباته الشخصية ليمارس دوره الثقافي في الشارع أو في المؤسسات العامة، ماعدا القليل من المثقفين الذين بقوا مثقفين واقعيين وليسوا افتراضيين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*