من قصة (آثار أقدام على الثلج)ماريو سولداتي ترجمتها عن الايطالية: نجاح سفر

828-300x189كانت تلك القشة التي قصمت ظهر البعير. فقد عاد إلى الفندق قبل وقت الغداء وصعد إلى غرفته. كانت زوجته تمشط شعرها في الحمام، ولم تقفل الباب على نفسها، كما تفعل عادة. لذلك اعتقد أنه لا مشكلة من دخوله. لكنها صرخت في وجهه بكره، نعم، كانت هناك نغمة كره في صوتها «هلا أغلقت الباب من فضلك؟»أغلق الباب، وخرج من الغرفة، ثم غادر الفندق. كانت لا تزال تثلج.
وبينما كان يتغدى في المطعم القديم بديكوراته المذهبة، ومراياه، وزجاجه المبقع، حدق خارجا في الثلج المتساقط على الخلفية الخمرية الغامقة لقصر كاريغنانو. كان الثلج يتساقط على الأفاريز الباروكية، على إطارات النوافذ، نماذج الخطوط المائلة، المزينة، المكررة، المنقلبة، الدقيقة، على الضربات الخفيفة لقلم «غواريني» عندما رسم بسرعة الصور الأولى لواجهة مبنى القصر. بينما كان يغوص تمثال جيوبرتي في مركز الساحة بالثلج، حتى الكتفين، واليدين، وثنيات عباءته، وحول رأسه. بدا وكأنه ليس تمثالا، بل صورة لتمثال مرشوشة بضربات فرشاة الرسام فيليبو دي بيسيس بلون أبيض. بدا جميلا بالرغم من أنه ليس كذلك.
بسط الثلج كل شيء مثل مصمم عظيم.
فكر بوالده، الذي منذ اختلف مع أمه، كان يتناول غداءه في الخارج، دائما في نفس المطعم الذي يجلس فيه الآن لأسباب مشابهة، والذي كان يبدو في زمن والده بنفس تفاصيل اليوم، وكان قد مضى على بنائه 130 عاما. وبإضافة 130 إلى 40 عاما يصبح التاريخ 170 عاما.
فكر بحياة والده، ثم فكر بحياته، كان الاختلاف كبيرا في الماضي، لكنهما الآن متشابهتان. ألا يوجد امرأة في الوجود يمكن أن تكون الحياة معها محتملة؟
ومرة تلو الأخرى، فكر بجميع النساء اللاتي مررن في حياته قبل زوجته. حاول أن يكون موضوعيا. ومرة تلو الأخرى، صرف النظر عنهن. فلم يكن أفضل من زوجته. جميعهن النسخة نفسها. الفرق الوحيد، كان في التفضيل الهزيل أنه تزوجها هي ولم يتزوج الأخريات. ولو تزوج أي واحدة منهن فستتحول فيما بعد إلى مخلوق ممل، كان متأكدا من ذلك.
ربما كان عليه أن يوفر الوقت ويتوقف عند الأولى، قال لنفسه، وهو يسحب نفسا عميقا. لكن من كانت الأولى؟
من هي المرأة الأولى التي كان معها عندما برقت في رأسه فكرة الزواج المحتومة هذه؟
كانت عودة للنبش في حلم يقظة، طويل، بطيء، وغير مؤكد. حفر في الماضي السحيق المنسي، عودة إلى أيام مراهقته. وبينما كانت عيناه تقومان بتمرين نظري وتغرقان بالثلج الذي كان يتساقط برقة وثبات باتجاه الخلفية الداكنة لقصر كاريغنانو، شعر بالثقة وبعض السعادة ، واللامبالاة، والبلاهة. متتبعا الكسفات الثلجية الكثيفة، وطريقة سقوطها المتغير التي كانت تأخذ أشكالا متحولة، وهي تتطاير على تشكيلات الأرابيسك وتتحطم قبل أن تلتقطها العين.
حلم يقظة طويل. كان من المستحيل تذكرهن جميعا. مرت سنوات طويلة. لكن من كانت الأولى؟ من كانت الأولى؟
لينا كانت الأولى، بدون أي شك.
ربما كانت أصغر منه بقليل. شقراء، طويلة، قوية، لكنها في الوقت نفسه مشرقة وردية اللون، جلدها ناعم، حيوية، عقلها متفتح، ذكية، والأكثر طراوة. فتاة حريرية. وكانت موظفة في البنك.
غرقا في المغازلة طوال الربيع، من مارس إلى يونيو أو يوليو ليس أكثر، حتى قال أهل المنطقة بأنهما «تحدثا مع بعضهما البعض». كل شيء كان جميلا. وكان سعيدا. أكثر سعادة من وجوده مع أي امرأة أخرى فيما بعد في حياته. لو كان فقط يعرف! لو توقع فقط! لكن مضت لينا وسعادتها الكاملة، المفاجئة، المجانية … لم لا تتكرر هذه النعمة مرة أخرى؟ كانت حياته برمتها أمامه! وتركها.
ومما لاشك فيه أنه هو، لا هي، من قطع العلاقة. لكن لماذا؟
لا لشيء. هكذا كان الأمر. كان الصيف قادما. الإجازات في الهواء الطلق، كانت شيئا جميلا. كان من الطبقة الوسطى، بينما كانت هي فتاة عاملة. لكن لم يكن هذا هو السبب الذي قطع علاقته بها من أجله. قطعها ببساطة لأنه كان في العشرين من عمره، لم يحصل على أي شهادة، ولا عمل في الأفق، فكيف كان بإمكانه التفكير في الزواج بشكل جدي؟
والآن يفكر بذلك، عندما كان في إحدى الليالي في حديقة فيلا قديمة، على بعد عدة كيلومترات خارج بلدة، أصبحت اليوم جزءا من ضاحية.
عندما كان يضم لينا، كان يشعر بشعور مختلف تماما عن كل ما جربه مع الأخريات. رغم أنها لم تتعد مرات قليلة.
كان باستطاعته خلال جلوسهما على العشب، وسط الماغنوليا الفواحة، ورغم الظلام الدامس تقريبا، رؤية شفتيها الحمراون، أسنانها البيضاء اللامعة القوية وفوق كل ذلك عينيها الكبيرتين الزرقاوين. كانت المرأة الحقيقية الأولى في حياته. كونها تتشابه مع نفسه وفي الوقت نفسه تختلف عنها بشكل يصعب فهمه. المخلوق الذي كان يبدو مغلقا، كان ينصهر معها، يطيع بطريقة غامضة وطبيعية الغريزة الأجمل والأعلى. وكان يشعر ببساطة أنه لم يكن يعانق نفسه بل شخصا آخر، وكأنه يعانق الأبدية.
على أرض الفيلا القديمة، ربما كان ذلك في مايو، اشتبك بقوة مع الأبدية، بشفتيه، ويديه.
إذن لماذا تركها تنسل بعيدا؟ لماذا لم يعيشا سوية، دائما، حتى يفرقهما الموت؟
لم لم يتزوج لينا؟
ويفكر بذلك، نعم، إنه يفكر بذلك. لكنه في الحال، أو تقريبا في الحال، أبعد الفكرة المجنونة.
الآن، وبعد مرور ثلاثين عاما، يعلم أنه فعل الصواب، أو على الأقل، لم يكن تصرفه ذلك أكثر جنونا من التصرف الذي ارتكبه مؤخرا.
لن يكون الأمر أفضل مما هو عليه الآن!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*