تجليات العشق في ديوان غرانيق الأمس للشاعر فائز الحداد…خديجة كربوب

18112015-114252AM-1يمثل ديوان ( غرانيق الأمس ) للشاعر فائز الحداد مشروعا شعريا مختلفا عما هو سائد في القصيدة النثرية ,إذ تظل فيه الذات تمارس التأمل عبر العشق كامتداد لاستمرارية الوجود الإنساني ,وحارب الخراب والدمار الذي حل بالوطن العربي والذاكرة والأنا ,وتسعى إلى إعادة الإنسان إلى كينونته ورحم القصيدة وتخترق الواقع عبر مجموعة من الرموز والدلالات الإيحائية بهدف التذاوت مع العالم وإعادة صياغته من جديد للظفر بلحظة العشق والدهشة والجمال .
 

ولقد أثرت محنة الغربة في عوالم الشاعر حتى بعد عودته من تركيا وسوريا إلى الوطن ,فالمؤسسات الثقافية استبعدته لأنه رفض أبجدية (التشقلب) وتجميل الفساد ,فظل شامخا كالنخلة العراقية يعشق القصيدة ويتخذ منها حبيبة ووطنا ووجودا ونبيّة ,واتسعت المفارقات بين شعره وبين الواقع الشعري الذي أصبح شبيها بالدمى الروسية.ولذا كانت الحاجة ماسة وملحة إلى تبني آليات نقدية فعالة لأن النص الشعري عند فائز الحداد لا يمنح نفسه بسهولة باعتباره عميق الدلالة ومتعدد المرجعيات والعلامات ومتجدد وصادم في لغته. ولهذا  حاولت لاستعانة بالإجراءات الأسلوبية والسيميائية لفك بكارة الديوان وتقطير جمالياته والسفر في عوالمه.

ولعل أولى البدايات التي تواجهنا على المستوى البصري وتغرينا وتستوقفنا وتجعلنا نستمتع :الغلاف الذي لا يعد  لقيطا بل ينتمي إلى المتن ويتنفسه ,ويمارس علينا فعل الإغراء والتشويق , مما ولد  بداخلنا فعل القراءة والانجذاب إلى النص ,ويتكون  من اللوحة التي يؤثثها اللون والشكل والخط والظلال, ووجه المرأة وهي بعين واحدة .وهذا لا يدل على النقص والقبح والتشوه بل يرمز إلى أننا أمام ذات أنثوية تحمل سرا بداخلها وتتمتع بالجمال والسحر والإثارة رغم تغييب للعين الثانية .وهذا ما أضاف سمة الغموض والتفرد على ملامح المرأة خاصة وأن العين تمثل مرآة للتسلل إلى المخبوء وجس نبض العالم الخارجي والتقاط الصور ,وسلطة تمارس على الآخر لكي تورطه في الخضوع والاستسلام .

ويأتي العنوان ليضعنا أمام محطة خطيرة ,نظرا لعلاقته بالنص والقارئ ,فهو من يمنح للديوان اسما وكينونة ويفعل فعله في أفق التلقي ,ويستفزنا بشموخه وسريته وغموضه لاقتحام عتبة النص ,ولقد جاء على المستوى التركيبي خبرا لمبتدإ محذوف تقديره هي ,وبذلك يكون متخذا من الجملة الاسمية مقاما ومسكنا له ,وما يثير الانتباه هو توظيف الإضافة التي تحتم علينا عدم الفصل بين المضاف والمضاف إليه ,مما يعني أن هناك علاقة حميمية تربط الطرفين معا "غرانيق الأمس "إلى جانب دور الجملة الاسمية الذي يكمن في الإخبار بحقيقة لغرانيق وترسيخها في أذهاننا بهدف المساءلة والإغراء والنبش في صيغة الجمع الذي يخلق حالة من الاختناق والغرغرة عبر ( الغين  والقاف ) ,إذ تدفعنا تلك الحروف إلى بذل جهد صوتي لإخراجها,وبين الصوتين تعيش الراء" "والنون"برفقة  المد لترمز إلى لحظة الصراع والانجرار والأنين .إنها ذات مسحة درامية تجسد الصراع بين الحياة والموت .وهذا الإخبار لا ٍيقدم تفصيلات حول موضوع النص ولا توجها معينا نحو دلالة ايجابية أو سلبية، ولعل هذا من اختصاص الوظيفة الدلالية التي تسعى إلى إضاءة بعض معاني الديوان ,فالكلمة الأولى _غرانيق- تحيلنا إلى الطائر المائي والنساء والمدن ,فهي متعددة الدلالات وذات قيمة جمالية باعتبارها تقودنا إلى معاني الأنوثة والجمال والخصوبة والحياة أما الأمس فيطلق على الماضي المطلق ,أي أننا أمام زمن قد تم حدوثه وترك لنا مسافات من التذكر والغياب والغربة والحنين ,ولعل الجمع والمزج بين المرئي (غرانيق) ,والمجرد (الأمس) ,قد ساهم في تخصيب الخيال وتعميق الدلالة.

ولقد حظي شعر فائز الحداد باهتمام العديد من النقاد والباحثين إلا أن هناك مناطق جمالية عميقة تحتاج إلى المزيد من الحفر والكشف .ولعل أبرزها قضية العشق التي تكررت في أعماله الشعرية خاصة ديوان (غرانيق الأمس) الذي نحن بصدد دراسته ,إذ يتعمق الشاعر في عالم المرأة ويتخيل الفقد ويرسم له كينونة الوجود والتحقق.وما يثير الانتباه هو اختياره لضمير المتكلم للتعبير عن وجعه العاطفي :

مهما يجري الحجر على جرحي
وتسرّفني السيوف
لن يبلغ العشاق جرحي بالتمائم

 تدخل الأنا العاشقة في علاقة حميمية مع الجرح من خلال الإضافة التي لا يمكن الفصل فيها بين المضاف والمضاف إليه .وبالتالي لا يمكن الفصل بين الأنا والجرح .ومن هنا نتحسس رغبة   الشاعر في التعريف بذاته وتملك الجرح والتلذذ به ,إذ أصبح هويته التي لا يمكن التفريط فيها ,كما تكشف الإضافة عن التفرد الذي يطبع الذات الشاعرة ,وهذا ما يتضح في قوله:

لن يبلغ العشاق جرحي بالتمائم ؟

وتتعمق مشاعر الفقد والتيه وتتجسد محنة الصراع مع الزمن في قول فائز الحداد :

فأنا مكتظ كملجأ,وطويل كتاريخ

يتكئ على حرف الفاء التي تعمل على تحقيق الاتساق والانسجام داخل النص الشعري واستئناف الكلام مع قدرة المحافظة على إيقاع التناغم ,إذ لا يريد الشاعر إسقاطنا في هوة اللا ترابط ، فرغم الجرح لازال لم يفقد صلته بكينونته التي تبدو مفارقة لما هو سائد و مكتظة بالتيه والامتداد والمعاناة والفقد والحرمان الذي نستشفه من خلال الصورة التشبيهية "طويل كتاريخ "والتي تحمل بداخلها نوعا من التضاد :

الملجأ/التاريخ .ولعل الجمع بين الحرمان واليتم والانتماء والذاكرة  والأصول جعلنا أمام ذات بها شرخ نفسي .وكانت    تلك الثنائيات وسيلة للمقابلة بين العوالم التي تسكن الشاعر وأيضا للتعبير عن التناقض الذي ينتابه في وجود معقد,كما يمنحه الطباق طاقة  لشحن النص بالحركة وتجسيد الصراع والتعارض بين الانفعالات والمشاعر ,إذ أصبح  الحيز  النفسي مليئا بالفقد والغياب والذاكرة .وللخروج من دائرة القسوة والألم نراه يرتمي في عالم المرأة التي احتلت مكانة هامة في شعرية الاختلاف باعتبارها رمزا متعدد الدلالات ,وجاءت متناقضة الحضور تجر معها الاضطراب الذي هو في حقيقة الأمر يمثل اضطراب الشاعر ذاته :

غزيرة الفيض ,كدمائي الجارفة
لا تعتبي على طريقك الفضي

يطالعنا أسلوب النهي الذي لا يحتضن في ثناياه نبرة التسلط والاستعلاء بقدر ما يكتنز بالحس الإنساني والرغبة في امتصاص محنة المرأة مع الزمن لتحقيق الخفة ومساندتها وزرع التفاؤل في عالمها الداخلي .وما يستوقفنا في هذا الحب أنه يخرق المعتاد ويصل إلى مستوى المعجزة والصفاء الروحي :

فما التقينا إلا وكان الوحي ثالثنا
يضارعنا رضاب التشهد  …..!!
تشببت بجوازك الطائف الخوف
بأنني سأطوف على شهوة تنتهك الحواجز ….

نلاحظ أن الشاعر يحتفل بالجسد ويتخذ منه جسرا للوصول إلى الذات والحياة والوجود .ولعل الظروف السياسية والدينية الضاربة في عمق الرجعية والتخلف والقهر والظلم والكبت ,والتي يتنفسها فائز الحداد هي التي حفزته على خلخلة تلك البنية المعرفية السلبية واتخاذ الجسد ملاذا واستشرافا للحب والاستقرار والخصوبة والعطاء .ويبقى الجسد هو من يمنحه حرية كاملة للتحرك والكشف والتلذذ والتواصل ,فنراه يوظف مفردات دينية.." الوحي /التشهد ./سأطوف "لإخراج الجسد من فكرة المدنس إلى المقدس .ولعل الشاعر وجد في الضمير الجمعي التقينا / ثالثنا /يضارعنا إمكانية للذوبان في المرأة ومقاومة الوحدة والتلذذ بتمديد الصوت عبر أنا الدالة على الفاعل التي هي بدورها تسنده وترفعه إلى ما هو سماوي ,وتساهم في الرفع من الإيقاع الداخلي .

وبذلك تتحول اللذة إلى مقدس يستحق  الطقوس الدينية وتصبح الحبيبة هي مريم :

فمريمتك الوحيدة من تصيد شأنك

إنه عشق غير متعدد فلفظة " الوحيدة "تدل على الاكتفاء بامرأة واحدة تتقاسم مع مريم العذراء سمة الطهر والنبل والتفرد .ويبدو أن الشاعر أمام مقامها لم يتمكن من البوح والتعبير بضمير المتكلم ,فلجأ إلى ضمير المخاطب ليحول ذاته إلى مخاطب مرئي يتوخى منه التأثير في مريمته والتلذذ بانتصارها .

تظهر المرأة مسكونة بالمكون المائي الذي توحي به لفظة" غزيرة الفيض "التي تمثل الحياة والخصوبة وتتمتع في أن  واحد بمسحة صوفية تقودنا إلى دلالة السمو الروحي .وتأتي الأداة الاستدراكية لتعمل على تأزيم وتغيير المشهد في قوله :

لكنها ……
تتقطع حسرة على ربيع سلوناه بين سمائين

رغم المسحة المائية  التي تتسم بها المرأة ,فهي لم تتخلص من الحسرة ,إذ تسترجع زمن الشباب والتواصل .ولعل هذا الإحساس هو من حفز الشاعر إلى تجميل اللحظة الشعرية، يبدو أن المرأة التي يتحدث عنها  تتسم بصبغة أسطورية مورفولوجية أو تتحول إلى فاكهة الشتاء كما يتضح ذلك في قوله :

هي النار فاكهة النساء !!
فكوني فاكهتي لشتاءات تحرق الفصول …..
في طيش الكأس ,ورقصة السرير
في جذوة الشهد ,وتسابيح القبل

تحيل الفاكهة في الذاكرة العربية إلى قصة ادم و  حواء والتفاحة التي كانت مصدر الإغواء والخروج من الجنة لكن فاكهة فائز الحداد لا تكتسي بعدا سلبيا ,إذ ترمز إلى الرغبة في   الدفء والحرارة وتخلق الحركة داخل السرير وتطرد الجوع العاطفي والبرودة والموت ,و تشعره بذكورته وفاعليته .وتصبح وسيلة لإدراك وجوده.

 يتحايل الشاعر على المرأة ويخاطب عاطفتها حتى تلين وتشفق على حالته النفسية. وهنا تختفي الذكورة والكبرياء وتحضر لغة المسكنة والضعف وربما هذه المشاعر قد نشعر بها نحن القراء .أما الشاعر فلا يعيشها لأنه ترك  خزانه النفسي وحمولته الثقافية وهو يتواصل مع حبيبته .وهذا التجرد يوحي بأنه وصل إلى ذروة الشفافية والوضوح ,إذ  لم تعد اللغة في سياق المرأة ماكرة ومقنعة بل تحولت إلى لغة اعتراف وتجل ومكاشفة للمخبوء ,وقد يكون هذا الصدق في التعبير عن الحب هو ما يمنح للفعل الشعري العمق والحياة والتميز ويحفزنا على تجاوز الرقيب والإقبال على الحب بجرأة وروح جمالية ,وبذلك ففائز الحداد يتوق إلى الكمال وهدم قيم الخوف والضبابية وتأسيس حساسية شعرية جديدة تغيب فيها الحدود التي تقتل خاصية المتعة والسمو الروحي.

 ونراه يقد من شعوره ويقتات من أحاسيسه ويكمل الوجود الشعري بكينونته الإنسانية الغارقة في الحب,ولعله وجد في التوازي طاقة صوتية ودلالية تستوعب عصارة روحانياته ,  وكثافة عاطفته وعمق إحساسه ,فنشعر ونحن نردد أسطره الشعرية وكأننا نردد نصا مقدسا في دير يشع بالنور :
لكنك الغريرة الغمر :

الأحب الجمل في نفائس النساء
الأعز الأبعد في النوادر    
الأطيب الأشهى في النبيذ
والأبرح في النار

يلعب  التوازي التركيبي الإيقاعي دورا بارزا في شد بنية النص الشعري ,ويجعل الرسالة تنساب إلى المتلقي ,ويمكن الشاعر  من إعادة التناغم إلى حيزه النفسي وتحقيق الارتواء العاطفي والانسجام بين المجرد أي الحب والحسي المتمثل في "الأطيب الأشهى والأبرح "وتنتفي الفوارق بين تلك المكونات وتجتمع فيما بينها للتعبير عن المكانة التي تحتلها المرأة في عالم فائز الحداد .وبذلك يعيد التوازي للذات النظام وترتيب الفوضى العارمة بداخلها ويبعد عنها   ضجيج العالم الخارجي .

هذا التناغم الجميل لا يحتكره الشاعر لنفسه بل يفسح ويوفر للمرأة مساحة أكثر رحابة, للتعبير عن موقفها ,وهذا التكافؤ بين الذكر والأنثى يترجم قيم الديمقراطية والتحضر.وبذلك يسعى عبر ضمير العاشقة أن يعكس رؤيتها وتدفقها العاطفي :

قالت :
أستعيذ الجسد ,من وحش شرورك المؤجلة
فجسدي بارد بجلالته الراعشة …..
وكفك التي تبتكر الأذى بعرش مفاتني …تعودتها

توظف العاشقة فعل المضارع لتضفي على لحظتها الشعرية سمة الخلود والحركية ,مما يعني أننا أمام امرأة ترفض السكونية وتميل إلى الحياة رغم النرجسية التي تطبع لغتها ونلامسها في لفظة "عرش مفاتني "التي تضمّخ النص الشعري بدلالة الكبرياء والثقة بالنفس ,إذ نتوقع أنها لن تتواصل مع الشاعر العاشق، لكن عندما نتأمل باقي الأسطر الشعرية نكتشف حقيقتها التي  تعيش محنة البوح والتخفي وربما مرد ذلك ا إلى الضغوطات الاجتماعية التي تمارس عليها كامرأة وتمنعها من كشف الأوراق كاملة :

لكنّي كوردة البيلسان ,أرتجف هوسا …
وأطير خلف شفير جفنيك المصفقين

قلبي من شدة أنوثة البرد عافني ,فاحتشمت !ا    استعملت  العاشقة  اللغة الاانزياحية لتنفلت من  الرقابة وتتمتع  بالحرية التي توحي بها لفظة أطير ,وحاولت أن تخلخل بنية الجملة عبر تقديم الفاعل وتأخير الفعل ,بمعنى كان القلب هو الشيء الذي شغل ذهنها فعملت  على تقديمه حتى تمنحه مكانة وتجعل العاشق يلتفت إليها ,إضافة إلى أن هذه الظاهرة الأسلوبية تكثّف من الإيقاع الداخلي وتمارس سلطتها على العاشق .إننا أمام امرأة  تعيش الظمأ العاطفي وتتميز بجرأة نادرة .ويصبح الجسد الأنثوي باردا فاقدا للمعنى ,فأشياء العاشق التي  نلامسها في المعطف لم تعد قادرة على إسكات صوت الجسد بل ساهمت  في تأجيج السؤال وتعميق الموت .وهذا  ما صرّحت به المرأة العاشقة :

صار معطفك بمشجبي سؤالا ,لا يدفئ المعنى !!

وترتفع في عالم الشعر لتتحول إلى نبيّة ,إذ لا يبقيها الشاعر في دائرة الآدمي والمادي والروحي بل يضعها في مراتب المقدس الجميل :

هي التي أنتُّها..
اعتبار الكلمة في عنفوان الجدوى
واشتداد ما.. في استفهام السؤال ؟؟
فإذا سألتِ: لها بكَ كلُّ رتاج الأنوثات في الفتح
تلك التي أذعنتني بكِ.. غافرا ذنوبها
ما من نبية تسطو على شأني ليلاً بغيمةِ جمارها
إلا من تشقُّ سحبي _ هي التي .. وترديني بوابل "الدردنيل"
ثم .. تتثيّمُ  بأحاجيها..
لتركتني أتليّل بالفارغات!!
لا أعرف من أي هذيان ضلعٍ عاصٍ نبتتِ
لتعاصيني بعصوانها، ومن جسدي العتيد انصرفت..؟؟؟
فلتشطري شفتي على نابكِ نصفينِ بعضّة الهياج
لنتشاطر بشطارة الكهّان !!
قد.. يحدثُ أن أبارك انشطاري بكِ
يحدث أن أحادثكِ الحادثات، يحدث أن تعفّرينَ حلمي بالصوم..
وأفطرُ على حليب الغياب باكيا كرضيع
يحدث كل هذا..
مؤمناً بسطوة الخلاص في النهايات!!
فالغيمة تشقق قلبها الريح لتسقي

تبقى هذه الذات العاشقة  بها لمسة غرائبية ,وغموض يحفزنا على التساؤل للامساك ببعض ملامحها ,وكلما التقطنا لفظة مضيئة ظهرت أخرى بمعان جديدة ,فهي تعيش تجربة صوفية روحية مع امرأة تختلف عن كل النساء و تتفرد بالنبوة وتحصر زيارتها الليلية على الأنا الشاعرة ,لكن لا تستقر في فضائها ,إذ تخرج لتترك للشاعر  فراغات والتي لا تعني الصمت بل تتخذ دلالة العبثية واللامعنى  .ويبدو أنه يرفض ذلك المصير ولذا يحولها  إلى حواء ويبحث عن  الضلع الذي انبثقت منه .وهذه كلها محاولات في حقيقة الأمر تكشف الرغبة في الاحتواء ومحو الفقد.

ولعل الإحساس بالتعالي والهروب من الهزيمة جعل (الأنا) تحافظ على فاعليتها في التعبير والاستحواذ على لحظة المعرفة والسؤال ,ونلامس تلك المركزية في أسلوب الأمر "فلتشطري "الذي ينم عن  الرغبة في استفزاز تلك المرأة الحاملة لصفات النبوة والدخول إلى ما هو قدسي روحي ,وتأتي الصورة الشعرية الانزياحية  لتبين لنا قدرة الشاعر على تحمل قسوتها  وتحويلها إلى صوم, وجعل معاناته طقسا من طقوس العبادة والصبر لكن تأتي لفظة "حليب الغياب "لتأزيم أفق التلقي وتعميق دلالة الانتظار والعذاب والصراع ,ورغم ذلك فالذات الشاعرة تؤمن بالمعجزات وتستمد قوتها من مشهد الغيمة والريح والتفاؤل بالنهايات ,ونخرج بتساؤلات عديدة هل المرأة النبية هي الإلهام ومخاض الكتابة ؟هل تمثل بدايات فعل الخروج من الجسد العتيد ؟هل النهايات دلالة على الاكتمال ونضج فعل الانشطار ؟هل النهايات بدايات لمحنة جديدة ؟.

إن الحديث عن العشق في ديوان فائز الحداد لا يرتبط بسياقات المرأة بل يمتد إلى المكان والقصيدة ,فنحن عندما نعود إلى شعره يصعب علينا أن نفصل بين المرأة والوطن , إذ يتعامل مع المكان  كحبيبة ويشحن وجوده بمفردات دالة على الحب والذوبان العاطفي ,فالوطن يستوطن دواخل الشاعر الذي يعمل على استعادته وفق تأملات نفسية وانفعالية ,ويتعامل معه كرحم للحياة والشعر والكلمة ويصوغه صياغة فنية وإنسانية .وبذلك يخرج المكان عن دلالته الجغرافية إلى دلالات مطاطية ومتنوعة في النص الشعري .

ومن الأمكنة التي استوقفت الشاعر بغداد باعتبارها حاضرة من الحواضر العربية القديمة التي ترمز إلى الحضارة والأدب والجمال .وأيضا لأنها العاصمة التي تجمع الصفوف وتضخ الدماء في شرايين الإنسان العراقي ,ونتساءل كيف يتمثلها ؟:

بغداد:خصب أبي بدم الأطفال …
وصرخة الريح في طلق السماء
وصوت نبي ,لرسالات الشموس
فأنت أول تسابيح الهوى في فمي
ونشيد صباي بأفواه الراحلين !!

تعكس لنا لفظة" دم الأطفال "دلالة الموت وعدم القدرة على حماية الطفولة وتستفز الوجدان العربي وتشعره بالمذلة والهوان وتنتقد الواقع بشدة وقسوة .ويبدو أن الشاعر يرفض ذلك الوضع ويزرع في أفق التلقي معاني الثورة والحرية والجمال ويطمح عبر الجملة الخالية من الفعل "صرخة الريح في طلق السماء" ترسيخ تلك القيم التي تعيد الإنسان إلى التجدد والسمو وتحرره من العبودية والقيود ,كما نراه يشتغل  على فعل التذكر ليطرد  الاغتراب ويعمق الإحساس بالانتماء ويربط العلاقة بين الإنسان وبغداد التي تحضر كقوة روحية وكذاكرة ثقافية .

ولتقريب المسافة بينه وبين بغداد استعمل ضمير المخاطب ليتشرب وجودها ويحقق الارتواء العاطفي ,فهي  تمده بالدفء والحب والحياة .وبالرغم من هذه القوة في تمثل المكان في بعده النفسي فالشاعر لم يتمكن من إخفاء مشاعر الضياع والغربة والفقد :

فكم يجرحني الوجد حين أذكرك ….
الدار بلا دار
وعلى ثغرك يتلو الأدعياء فاتحة الغربة

اختار ضمير المتكلم ليجسد لنا معاناة الذات التي تعيش جرحا في التذكر وتجر معها محنة المكان والرغبة في الاستقرار .ولعل اختياره لذلك الضمير يؤكد إصراره على البقاء ومقاومة الفراغ الذي تمثله نقط الحذف.

ونراه يستعين بكل ما يسهم في بناء عالمه الشعري من معارف وتاريخ وأحداث وأساطير ,هادفا من ذلك منح النص حرارة وعمقا وجمالا .وهذه الكثافة الثقافية والنفسية التي يحملها الرمز هي التي دفعت الشاعر إلى استخدامه لاستكناه معاناة الوطن وزرع الأمل من جديد في أفق التلقي :

فاستودعي الصمت نشيدا لأبي جعفر وبغداد 
ثكنات للهوى وعواصم الصور المد جنة 
فأين لها من بغداد ,المكان والقبلة والذكريات ؟

وقد اختار شخصية أبا جعفر  المنصور باعتباره يذكرنا بأمجاد بغداد التي وصلت في لحظته التاريخية إلى ذروة التحضر والعطاء ,فكانت عاصمة تجمع كل المبدعين والمثقفين ,وتتمتع بالاستقرار والوحدة ,إنها القلب النابض للدولة العباسية .وبذلك فالرمز التاريخي يعبر عما يعتلج في الذاتي الفردي من وقع الخارج الجمعي ويسهم في تقوية الانتماء والعودة إلى الجذور بهدف تجاوز الهزيمة والتمزق النفسي ويحفز القارئ العربي على ربط الجسور بالماضي والتاريخ المشرق .

كما يستدعي التتار كقوة همجية دمرت بغداد وأحرقت مكتباتها وكنوزها وعملت على محاصرتها .وهذه الصورة الدرامية تنسجم مع الواقع العراقي ,إذ لا توجد فاصلة بين الواقعة التاريخية القديمة وما تقوم به الدول المعادية من تدمير وقتل ونهب وتفجير ,ولعل الشاعر يهدف من خلال هذا التوازي أخذ العبرة واستحضار قوة الخلافة العباسية وتجاوز الطائفية التي تجر إلى إعادة التاريخ السلبي .وأمام هذه الصورة القاتمة يحرك فائز الحداد أسلوب الاستفهام في قوله :

فأين لها من بغداد,المكان والقبلة والذكريات؟

يسهم في شحن الخطاب الشعري بقوة إيحائية ويفتح المجال أمام القارئ ويستدرجه إلى إكمال النص ويجبره على الإجابة .وبذلك فالشاعر يعمل على تثوير الإنسان العربي وإثارة عواطفه وشحن وجدانه بقيم النضال والحرية والكرامة والأنفة ,كما يعكس الأسلوب الإنشائي رغبة فائز الحداد في شن حرب نفسية على العدو وإشعاره  بالعجز والضعف ,وعدم القدرة على التجاسر على الذاكرة والمكان والمقدسات.

إن الشاعر يتوق إلى التواصل وتصفية عالمه الداخلي من التوتر والاضطراب والحيرة ,فيجر الآخر بأسئلته لتوسيع رقعة الإحساس بالمكان وربط الحاضر بالماضي لتعميق الانتماء وترميم التمزق النفسي ,ورغم أن الاستفهام كما يقول علماء السيمياء علامة هامة من علامات التواصل الإنساني فالشاعر ظل يحمل محنة بغداد بمفرده :

ربما أنا الوحيد ….
من يعرف صلف الرمال في مخاض الأرض 
كالقاطر ملحا,على شفة القيظ…
كالطالع من طلق الرحم ,لطلقة الرحمة 
أظمى لتشرب الأرض,والسائلة شفتاي!؟

تسيطر عليه مشاعر الوحدة والاغتراب والتي يمررها عبر ضمير المتكلم المفرد .وهنا نستشف الهوة العميقة بين الأنا والآخر, وهي فجوة دفعت الشاعر للمحافظة على عالمه الداخلي وتقريبه إلينا عبر تتابع الصور الشعرية التي تستبعد عنها الروابط اللفظية لتخلق نوعا من الانسياب الصوتي  يسهم في نقل الإيقاع النفسي الداخلي المشحون بالفقد والتشظي وعشق المكان .وداخل  تلك الصور يركز فائز الحداد على المكون المائي الذي توحي به المفردات التالية :قاطر / لتشرب ,لكن نصدم عندما نجد لفظة قاطر مرتبطة بالملح .مما  يعني أنها تقودنا إلى الظمأ من جديد وتأتي مفردة "لتشرب الأرض" لتخفف من حدة المعاناة وتعيد القوة والأمل في أفق التلقي فنشعر أننا أمام ذات أسطورية تمنح الحياة للأرض وتحتفظ لنفسها بالظمأ رغم حاجتها القصوى إلى الماء .وبالتالي فهذه الصور الشعرية تمكن الشاعر من تقديم صياغة جديدة للواقع بعيدا عن التمثيل المباشر للوقائع والعلاقات الظاهرة والشكلية ,وبعيدا عن البهرجة الفنية .

ويأتي الاستدراك كآلية لتقلب المشهد لإعطاء حيوية للنص تساعد الشاعر على بلورة رؤاه:

لكني مسرج الجرح,مذ ألفناه الماء صديدا !!
أحاسب ربع العمر :
من الرابح فينا,ومن الخاسر في قوافل القتلى ؟؟

يحيلنا الشاعر على جرحه الذي لم يكن ذاتيا بل مصدره الجماعة التي تختفي وراء ضمير (نا) الدالة على الفاعل .وهذا الالتفات ليس الهدف منه شد انتباه المتلقي وتكسير الملل وشحن النص بالانسياب والنمو بل الغرض منه إبراز العلاقة الرابطة بين المفرد والذات الجماعية أو التي لا تقوم على الانسجام والتواصل ,فلفظة "ألفنا " تجعل الكل يتحمل المسؤولية في قبوله للوضع العفن الذي عمل على توصيفه بالماء الصديد .ولعلها مفردة تحيلنا إلى الآية القرآنية التالية :مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ (16).

إذ تمكن فائز الحداد من تذويبها وربطها بالذات الجماعية التي حكمت على نفسها بذلك العقاب الشديد الذي لا يمكن أن يكون إلا للكفار .وبذلك فهو يدفعنا بشكل ذكي إلى تطهير أعماقنا من السلبية والعمل بشكل جماعي للعيش في أرض تتمتع بالماء والصحة والكرامة والاستقرار النفسي واستبعاد الأخطاء التي قد تجرنا الى الجحيم والدم والقيح .

وينسل الشاعر من الضمير الجمعي ليعود إلى ضمير المتكلم من جديد في قوله :

أحاسب ريع العمر :
من الرابح فينا ,ومن الخاسر في قوافل القتلى ؟؟

وهي عودة للإحساس بالفاعلية والوجود والهروب من تلك الألفة التي لا تليق به كذات مثقفة يعول عليها في هدم القبح والعذاب ,وأيضا عودة لمحاسبة الزمن بالتركيز على مقتبل العمر لما يحمله من دلالة القوة والنضج والأمل والرغبة في تحميله المسؤولية .ولذا استبعد الشاعر عنه لفظة الشيخوخة التي قد تقودنا إلى معاني الضعف والهزال والتخريف وفوات الأوان ,وبعد فعل التحديد يطرح السؤال الذي هو في حقيقة الأمر حوار داخلي للنفس الإنسانية الشاعرة التواقة إلى بث همومها وأسئلتها وهواجسها الفكرية والنفسية إلى الآخر بهدف المشاركة في حمل الثقل والمساهمة في صياغة الحلول .ومن هنا تأتي المتعة في  استكناه وملاحقة مترشحات ذلك السؤال الذي استحوذ على الذات السائلة .فطرح السؤال بصيغة الجمع يتوخى الشاعر من خلاله خلخلة الوضع القائم على القتل والموت باتجاه تغييره جذريا بواسطة تحريك الوجدان ومخاطبة العقل ومساءلة الضمير .

إن الشاعر يفرض وجوده رغم قوافل القتلى ويعلن رفضه الصريح لسياسة التفجير والقتل باسم الدين ويضع مسافة بينه وبين المدينة من خلال توظيفه لأداة" أيها" التي تفيد البعد وتجسد نفور ه من المكان .ومن هنا يرسم فائز الحداد مفارقة بينه وبين الآخر السلبي الذي لا يستعمل العقل والمساءلة بل يسعى إلى إراقة الدماء بشكل مجاني لأنه يحمل مفاهيم مغلوطة عن الجنة والدين .ولعل هذه المفارقة على المستوى الفكري هي مصدر اغتراب الأنا الشاعرة ,ونراه يعدل عن أسلوب النداء وينتقي ضمير المخاطبة في قوله:

 فأنت في الأرحام ,رسالة غفران … لمن يجهل الحساب !؟

يرتمي في ذلك الضمير ليقرب المسافة بينه وبين بغداد التي ليست هي المدينة الدموية بل الفضاء المكاني المنفتح المتعدد الذي يتموضع في الأرحام ذلك الحيز المكاني المغلق المشع بالدفء والحياة والخصوبة والأمومة والانتماء والجذور .وبالتالي فهو يحرك الوجدان الجماعي ويتخذ من الحاضرة العباسية رسالة محبة وتصالح ومغفرة في الزمن الدنيوي والأخروي. ولما كانت اللغة هي التي تصوغ رؤية الشاعر إلى العالم ، فإن لغة فائز الحداد في مضامينها التي تؤسس لثقافة الحب والمكان مشحونة بقبسات ونفحات إنسانية كونية ، ممتدة سقفا وفضاء على الدنيا والآخرة.فهو يدعو إلى التصالح الإنساني ونبذ الحروب التي تتعامل مع البشرية كبضاعة تحتمل الربح أو الخسارة .وبصفته شاعرا حداثيا يرفض الرجعية ولغة الدماء والقبح ويتوق إلى هدم كل ما يقف في طريق الإنسان الذي اختزله في أبجدية العشق .

إننا إمام شاعر حول المكان  الجغرافي إلى هوية ثقافية ووجودية ووطنية ,ولعل ما أجج هذا الإحساس أكثر هو ما عرفه العراق من احتلال وتمزقات سياسية وطائفية .ويبدو أنه يتعامل مع الوطن بعيدا عن التوجهات السياسية والدينية ويعتبر الأرض عذراء كما جاء في قوله :

فلا عذراء سوى الأرض!؟

يثبت للأرض سمة الطهر والسمو والنبل حتى يتصالح مع المكان ويطرد عنه الإحساس بالدونية والفقد ويعمل على تأكيد تلك الحقيقة في قوله :

التاريخ دون العراق لقيط !؟

وتصبح العراق هي الذاكرة التاريخية والحضارية التي تجعلنا نحمل الهوية ونتمتع بالانتماء ,إنها وسيلة سيكولوجية للبحث عن الضوء داخل زمن الخيبة والاستنزاف بكل ألوانه .ونراه يحدد مصدر تعاسة الإنسان العراقي في قوله :

أعرف من رقن قيد الشمس ….لص نفطي 
لتبصمنا الفوانيس بالسخام أشباحا … 
نخاف بعضنا ,ونبتكر الرثاء لنبكي !؟

تظهر لنا الأنا العارفة التي ترمز إلى الوعي والتنوير وامتلاك الحقيقة ونلاحظ أنها تعيد الأمر إلى لص نفطي ,إذ لم تعمل على تعريفه حتى تدفع المتلقي إلى البحث عنه وكشف أقنعته وإخراجه من صيغة التنكير إلى التعريف والفضح ,ولم يكتف فائز الحداد بذلك بل نجده يغوص في أعماق الذات الجماعية التي تميل إلى الرثاء والبكاء  لغياب الثقة والحميمية .وهذا ما يسقطها في عقدة الخوف كآلية مرضية لحماية وجودها .ما يسعى إليه الشاعر هو محو لغة الدموع والخوف والتسلح بلغة الصدق والشفافية وعقلنة الفعل الإنساني.

يمكن القول إن المكان في شعر فائز الحداد ,منحه سمة التفرد والخصوصية (فالعمل الأدبي حين يفقد المكانية، فهو يفقد خصوصيته وأصالته ) كما قال باشلار   ,فظلت الفتنة المكانية تمارس غوايتها على الشاعر الذي تمكن من   التفاعل واستيعاب حمولة المكان والعمل على ولادته بملامح شعرية جمالية تعكس   عشقه للحياة ورفضه لكل المنغصات التي حولته إلى  خراب ودمار وقبح وفراغ ورقابة .ولعلنا نلامس ذلك الهاجس في قوله :

فلن أعلن موتي شاعرا ….بانتصار الرقيب !؟
وليغرب الرقباء عن ضمير قصيدتي 

يصعد أسلوب النفي لإخراج الموت الشعري وحضور الرقيب من دائرة الوجود واثبات الحياة والشعر والحرية والامتداد ,فيتمكن الشاعر من خلق أمكنته المرغوب فيها ,إذ لم يتمكن الآخر السلبي التسلل إلى فعله الشعري .وهذا انتصار ضد الرقابة بكل إشكالها ,فالهزيمة إن كانت قد لحقت المكان كوطن فهي لم تصل إلى أعماق الذات الشاعرة .وهو أمر ليس بالسهل بل يتطلب الإرادة القوية والتمكن من استعمال اللغة والأدوات الفنية والتعشق مع روح الجمال والشعر.

بقلم الاستاذة خديجة كربوب
المغرب

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*