بين القُدسَيّن..!! أسامة العيسة

2015-Jan-11-54b240b707a45-300x298 (1)لا شك لديّ، أنا الصحافيّ أسامة العيسة، بأنهم عندما أطلقوا عليه لقب (الضَبِع) كانوا يفتقرون للكثير ليس فقط مِن الكياسة، ولكن أَيْضًا للنباهة، وضعف فاضح في فن إطلاق الألقاب التي تتحوّل إلى أسماء، وهو فن له تراثه العريق في المدنِ والأرياف الفلسطينية، تنبه إليه بعض المستشرقين، الذين أثار فضولهم، نزوع الناس في بلادنا المقدسة، إلى اطلاق تشبيهات غير مقدسة، تستحيل مع الزمن، إلى أسماء عائلات، تثير فخر أبناءها، مثل الأقرع، والأعرج، والأطرش، وأبو نمل، وأبو قمل، وأخرى تستند إلى الحيوانات مثل صرصور، وبغل، وجحش، وثالثة إلى النباتات مثل بامية وكوسا، وجزرة، وبطيخ، ورابعة إلى المهن مثل النجّار، والحجّار، والخيّاط، والحدادين، والقنواتي، وغيرها، فاشبعها المستشرقون بحثا وتصنيفا واستشفوا منها دلالات، قالوا انها تؤكد بان ثقافة الألقاب متداولة في هذه البلاد منذ زمن أبطال الكتاب المقدس، حتى زمن سياسييها المعاصر المدنس.

ورغم الاعتراض على هذا اللقب الضَبِعي، إلا انه يبقى مقبولا أكثر من كلمة (منغولي) الشائعة والعامة، التي تُطلق على أمثاله، وتمحي فرديته، وترددت قبل استخدامها هنا، ولكنني بعد استشارة مختصين، علمت أن التسمية مقبولة علميّا، أوّ انها مقبولة وكفى، وليست فيها شبهة نظرة دونية، ولكن الأصح (متلازمة داون) نسبة للدكتور جون لانغدون داون الذي يُفترض إنّه كان أوّل مَن وصف هذه المتلازمة في عام 1862، لأنه لاحظ بأن الأطفال الذين يولدون بهذه المتلازمة، لهم ملامح وجهيةـ خاصة من ناحية زاوية العين، تشبه العِرق المنغولي. ولا شك بان مثل هذه التعليل، لتبرير مصطلح (المنغولية)، يمكن أن يشرع الأبواب لجدال حول عنصرية مضمرة لدى السيد داون، ومناخات عصره.

مَن هم الذين أطلقوا عليه اللقب؟ لا أحد في البيرة ورام الله، يمكنه أن يُحدد هؤلاء الذين أطلقوا على اللاجئ اللِفْتاوي، هذا اللقب-الاسم الغليظ، ويبدو مثل هذا السؤال الذي يطرحه صحافيّ مثلي، يريد أن ينجز تحقيقا استقصائيا، سؤالا غير مُهم لمعظم عارفي هذا الذي ولد لعائلة هُجرت من قريتها (لِفْتا)، التي أقام المحتلون، على أراضيها لاحقا، الكثير من المنشآت العامة الحيوية والحكومية، لدولة إسرائيل الوليدة ثم النامية، فيما يعرف الان بالقدس الغربية، وبقيت منازل القرية الحجرية صامدة، وكذلك عين مائها الرقراق في الوادي الشامي، ليس فقط لتذكر الآتين من مختلف أنحاء العالم، ليأخذوا بيوتا وأرضا وأشجارا ليست لهم، وهم يركبون الحافلات مِن المحطة المركزية بالقدس الغربية (يطلق عليها العرب واليهود: تحناه مركزيت)، المطلة على ما تبقى مِن لِفْتا، بانهم أخذوا بيوتا تشبه هذه البيوت، أوّ دمروها وأنشأوا على أنقاضها منازلا على الطرز الأوروبية، ولكنها تحولت، أَيْضًا، إلى مجال نقاش لا ينتهي، في دولة الاحتلال، بعد سنوات من احتلالها، مكنها من الانتهاء نسبيا من عملية هضم طويلة لإرث العرب المعماري، بين منظمات بيئية، والحكومة التي تريد الإجهاز على ما تبقى من القرية لبناء فلل، وهو ما اقترحه شارون، ولتوسع الشوارع، وتنهي حسابها مع المكان القديم، لينضم إلى ما جعلته مكانا كأنه قطعة سقطت، فجأة، مِن سماء أوربية، على هذه المنطقة، التي قيل بان رجالها كانوا يرّمون الذهب على شباشب نسائهم، من وفرة المال بأيديهم. ويمكن ان يساعد معرفة هذا في إضافة سبب آخر، إلى قوة اللِفْتاويات المحير لجلساء مقاهي رام الله والبيرة الشعبية.

ولكن اللِفْتاويين، ينفون مثل هذه الاشاعات بقوة، وإن لم يكن بحسم، مشيرين إلى اختلاط الأمور لدى مطلقي الاشاعات، كما يحدث دائما، وان الحديث لا يتعلق أبدًا، بخياطة الليرات الذهبية على الشباشب، وأنواع الأحذية الأخرى، وإنما هي مجرد خيوط ذهبية رفيعة وبسيطة تُطرز عليها، والأمر أيضا شبيه بثوب اللِفْتاويات المسمى الجنة والنار، المطرز بحرير أخضر وأحمر، الذي أُضيفت إليه القُبّة التلحمية، نسبة إلى مدينة بيت لحم، وبعضهن أضفن عليه خيوطا ذهبية، رمزا لوفرة نقدية بين أيدي أزواجهن.

شهدت لِفْتا، التي يملك ناسها أراض مترامية الأطراف، نهوضا اقتصاديا لافتا، قبل النكبة، فمحاجرها أصبحت موردا رئيسا للحجارة التي تحتاجها منازل القُدّس، ونشط التبادل التجاري بين سكانها وقاطني الأحياء اليهودية المجاورة، خصوصا بيع الخضار والفواكه الذي اضطلعت به نساء القرية، وافتتح اثنان من أبنائها من خريجي الجامعة الأميركية ببيروت، عيادتين، لتقديم الخدمات الطبية للأهالي، واستقطب المقهيان فيها، نتاج صناعة الترفيه في البرّ المقدسي في النصف الأوّل من القرن العشرين، مواطني القُدّس، وآخرين من الأماكن المجاورة، وكان لهما مفعول غامض على واحد من المثقفين الكبار على الأقل، وهو خليل السكاكيني، الذي يروي كيف ذهب مع صديقين إلى مقهى في لِفْتا عام 1941، ويعلق ببساطة "دُخّنا"، ولكن الهجوم الذي شنته عصابة الهاغاناة الصهيونية على أحد المقهيين، برشاشات ستن، وأدى إلى قتل سبعة وجرح عدد مِن الرواد، شكل بداية لتهجير السكان، وعندما تم للعصابات الصهيونية ما أرادته، وصل بن غوريون من تل أبيب، في يوم سبت، كاسرا قدسيته، مبتهجا بخلو لِفْتا، مِن ناسها العرب. بالنسبة له كان ذلك تحقيقا لحلمه بنزع شوكة وجود عربي قديم وممتد، لصالح الأحياء والمستوطنات اليهودية الناهضة، في القُدّس الجديدة، التي ستصبح مع النكبة، التي قسَمت القُدّس لأوّل مرة في تاريخها، إلى القُدّس الغربية، والقُدّس الشرقية.

وسيقول بن غوريون متأثرا بقوة اللحظات التاريخية، في اجتماع لحزب المباي يوم 8-2-1948 في القُدّس: "منذ دمر الرومان القُدّس لم تكن يهودية كما هي عليه الآن، فمنذ دخولك القُدّس، عبر لِفْتا وروميما (برج العرب)، ومحانيه يهودا، وشارع الملك جورج، وميا شعاريم، لا يوجد عرب، بل مائة بالمائة يهود، وفي كثير من الأحياء العربية في الغرب لا يشاهد المرء ولوّ عربيا واحدا".

اختفى عرب لِفْتا، والمالحة، والقطمون، وعين كارم، وصوبا، والقسطل، وبيت محسير، والبقعة، والطالبية، ودير ياسين، وصطاف، وغيرها، من قرى وتجمعات عربية، ما أن حلت النكبة، حتى كانت تُشكل ضواح ريفية ممدنة، أو في طريقها لبلوغ هذا الهدف الأغر، الذي تأخر الوصول إليه طويلا، بسبب علاقات برّ القُدّس المعقدة مع المدينة المقدسة وأعيانها، طوال قرون، تلاصقها مستوطنات يهوديّة تُحضّر نفسها منذ زمن، لتكون وحدها مَن تعطي للقدس وجها أُحاديا. رغم تداخل علاقاتها مع لِفْتا والقرى الأخرى، وتوقيع اتفاقات عدم اعتداء، وعلاقات نَسب محدودة، فمثلا ابن لِفْتا فهمي إبراهيم أبو سعد، أحب يهودية وتزوجها. 

في وقتٍ لاحق، أصبح مقبولا لدى حكومة الاحتلال، ان يُنظر لما تبقى من لِفْتا، بانه جزء من المشهد الطبيعي، والتراث اليهودي في الأرضّ الموعودة، ودراسة تحويل المكان إلى مركز لدراسة التاريخ الطبيعي في الهواء الطلق, لتعزيز الجذور اليهودية في الموقع الخلاب.

وحسمت حكومة الاحتلال الأمر، بوضع آرمة على مدخل القرية، يشير إلى انها محمية طبيعية في طور الاعلان الرسمي عنها، مع قائمة بالممنوعات، والارشادات خصوصا فيما يتعلق بالسباحة في عين الماء، التي تصب في بركة، تحيط بها غابة من أشجار التين، التي أصبح منظر اليهود واليهوديات، يلهون حولها بملابس السباحة، أو يضطجعون تحت أكمات أشجار التين، مشهدا مألوفا. أمّا جامع القرية فتحول إلى مطهرة لليهوديات المتدينات، يغطسن في الماء، ليتطهرن مِن الطمث.

ما تبقى من المنازل المبهرة، ليس فقط بحجارتها، وبقايا قرميدها المكسر، ولكن أيضا بتفاصيلها الداخلية، مثل رسومات الدهان، وألوان البلاط التقليدي، واسمنت الأرضيات، والتقسيمات الوظيفية للمنازل، رَقَمَته دولة الاحتلال، وأحاطت كلّ منزل بسياج شوكي، مع آرمة تشير إلى ملكية دولة إسرائيل لها، وان الدخول إليها محظورا ويضع المخالف تحت طائلة القانون. المنازل المنتشرة على سفح الجبل الغربي، التي يسكنها الحمام والعصافير، يتسلل إليها المتنزهون والفضوليون والطامعون من المستوطنين الإسرائيليين، ولكنهم لا يمكثون فيها، بعكس منازل عدة على سفح الجبل الشرقي، التي تجد شرطة الاحتلال صعوبة في الاحاطة الأمنية بها، هذه المنازل مخلعة الأبواب، والشبابيك، يقطن فيها بشكل دائم أو متقطع متشردون، وفنانون بوهيميون، ومتأملون في اليوغا، يعيشون حياة بدائية.

وتطور الأمر إلى تبني وضع لِفْتا على قائمة التراث العالمي، وعلى الأرجح، عندما تُقرأ هذه القصة بعد فترة، ستكون لِفْتا، مدرجة على قائمة التراث العالمي التابعة لليونسكو، باعتبارها عين نفتوح التوراتية، وتُشكل تراثا إسرائيليا فريدا، حتى لوّ غضب أقارب الضَبِع، وصرخوا بحرقة، بان البلد بلدهم، والتراث تراثهم.

2

لنعد إلى الضَبِع، حتى لا نُضيعه، وتضيع قصّتنا، مثلما ضاعت لِفْتا وشقيقاتها..!!
لا شك، أَيْضًا، بان هناك مَنْ لم يفهم، لماذا يُطلق هذا اللقب المخيف على مخلوق، أصبح معروفا بوداعته؟ وعلى الأرجح، فانه ضمن عملية تطور للاسم، استمرت فترة، لا نستطيع تحديدها، تحوّل إلى ضَبْعو، أوّ دبعو، بالنسبة لنساء رام الله المتفرنجات، ليناسب شكل هذا القصير، غير المتناسق، صاحب الشعر المرسل، والوجه الذي لا تتغير ملامحه في الفرح والحزن.

وإذا كان علينا أن نُخمن، بأن لقب الضَبِع عكس، خشيةً أوّ خوفا من هذا الكائن، عندما ظهر في شوارع رام والبيرة، يسير متهاديا، غير مبالٍ، يتوقف أمام أبواب المحلات، ويجادل، ويمزح، دون أن يفهم عليه أحد في البداية، إلا إنّه فرض نفسه وقبوله على الآخرين، باعتباره مخلوقا وديعا، يستحق اسم الدلع ضَبْعو (يا له من اسم ويا له من دلع)، عزّزَ ذلك، يقين تناقله الناس، قد لا يكون صحيحا، حول المصابين بمتلازمة السيد داون، بان الواحد منهم، لا بد أن يكون، مبدعا أوّ موهوبا في مجال ما، مثل مازن مُغني الأعراس، المشهور بنظافته الشخصية، وارتدائه ملابس مَكّوِية، حتى الملابس الداخلية، والجرابين، ولا يفوت عُرسًا، إلا ويقف بجانب الفرقة أوّ المغني، أوّ الدي جي، ويبدأ بالعزف في الهواء، يداعب أوتارا غير مرئية، وكأنه يحتضن عودا، مستخدما يديه، متمايلا على ايقاع الموسيقى، اقتناصا لفرصة تعب أوّ تهاون المغني الأصلي، فيمسك الميكرفون، ويبدأ بالغناء، وهو في قمة تجليه، بينما الناس الذين لا يفهمون شيئا من الصوت النَّشَاز غير الواضح الخارج منه، يضحكون، وعلى الأقل تكون فقرته التي أصبح هناك مَن ينتظرها، وأحيانا يستعجلها، نَسمة هواء لرواد الأعراس، الذين يأتي كثيرون منهم، إلى حفلات الأعراس، بدافع الواجب الاجتماعي، والإلزام العائلي.

بالنسبة لضبعو، فانه عُرف بشغفه، في تمثل شرطي المرور، رُئي وهو ينظم حركة السَيّر، بخجل في البداية، وتبين، لاحقا، أن لا شيء لديه يضاهي، رؤيته أزمة مركبات في مفترق طُرق، ليقف، مستخدما يديه، لينظم حركة السَيّر. لا شك بأنه عرف، مِن خلال بداياته الخجولة في هذا المجال، القوة التي يمكن ان تُمنح له، وهو يرى التزام سائقي المركبات في شوارع البيرة ورام الله، بحركات يديه. ستشعره قوة يديه على ايقاف أية مركبة أو السماح لها بالمرور، بنشوى لن تضاهيها نشوة أخرى، لا يعرف أحد كنهها، خصوصا وأن استجابات ضَبْعو الجسدية تجاه النساء، ستظل مدار حديث بين روّاد المقاهي والتجار والمهتمين، دون الوصول إلى نتيجة حاسمة.

تمكن ضَبْعو، مِن تثبيت نفسه كَمُنظم شعبي لحركة السَيّر، إن جاز التعبير، بعد أن أثار في البداية حفيظة الشرطة الإٍسرائيلية، وحرس الحدود، الذين دفعت بهم حكومة الاحتلال للضفة الغربية وقطاع غزة، مع ازدياد مقاومة الناس الشعبية لاحتلال، طال أكثر من اللازم، قبل سنوات قليلة من اندلاع الانتفاضة الأولى، وترسخت صِفة ضَبْعو السَيّرِية، بعد تأسيس السلطة الفلسطينية، ونمو البيرة ورام الله الديمغرافي والعمراني، بشكل متسارع، خصوصا بعد أن زار مثل كثيرين غيره، مهنئا، أوّل محافظ لرام الله والبيرة، وهو أَيْضًا لِفْتاوي مثله، ويقال بان المحافظ الجديد للسلطة الجديدة أعطاه بدلة عسكرية، كنوع مِن رد التحية لضَبْعو، وعِرفانا بمآثره النضالية في مواجهة جنود الاحتلال، التي لا بد وان المحافظ، من خلال مكانته القيادية في حركة فتح فيما يُعرف بالقطاع الغربي، والمقصود الأراضي المحتلة، عندما كان في الخارج مع الرئيس ياسر عرفات، يعرف الكثير عن الرجال والنساء والأدوار، ومنهم ضَبْعو الذي فرح ببدلة الكاكي، وتمكن مِن الحصول على بروش معدني، عليه شعار النّسر وألوان العَلَم الفلسطيني مِن بَسطة في أوّل شارع الإرسال، ثبته على قميص البدلة.

عثوره على البروش الملون، اشارة على حُسن حظه، ففي تلك الأيّام، وما سيليها، تراجع الاهتمام بالعلم الوطني، الذي كان محظورا قبل عهد السلطة الفلسطينية، ودفع شبان فلسطينيون كثر حيواتهم ثمنا لرفعه على عمود كهرباء، أو في تظاهرات، لم يكن رصاص الاحتلال الإٍسرائيلي ليتساهل مع رمز وطني، يمكن توقع ما يثيره من مشاعر لدى الناس عندما يرونه يرفرف يداعبه الهواء.

تراجع الاهتمام بالعَلَم الفلسطيني، جرى لصالح أعلام أخرى انتشرت بسرعة، فكل فصيل أصبح له علمه الخاص، واحتاج الناس فترة من الزمن حتى يميزوا الأعلام الملونة الجديدة. ومعظمهم لم ينجحوا تماما، بسبب محدودية الخيال، لدى مصممي الأعلام الفصائلية، الذين نهلوا أفكارا متشابهة.

ولكن، رسوخ مكانة ضَبْعو كرجل سَيّر، في ظل العهد الجديد، لم يتم بدون اشكالات مع رجال الشرطة الفلسطينية، حديثة التكوين، قادته في أحيانٍ كثيرة إلى مركز الشرطة في النَزَلِة قرب دوّار المنارة، رغم حديثه غير المفهوم عن المحافظ، وفهمه مِن لفتة المحافظ الكاكية، بأنها جواز عبور، لهوايته القاهرة التي لا يستطيع الفكاك منها. وكان وجوده أمام باب المركز، بجانب كشك القهوة والشاي، بالنسبة للبعض، مثار انتقاد للسلطة الوليدة وعجزها عن معرفة الصالح من الطالح، بجرجرة هذا المسكين غير المؤذ، ومناسبة للهو بريء من رجال الشرطة الذين عرفوه سابقا، أوّ الذين يخدمون لأوّل مرة في رام الله والبيرة، ولم يكونوا بحاجة لوقت طويل، عندما يتحدثون معه ليدركوا، بأن أمثاله لا يُحقق معهم، ويجب إطلاق سراحهم.

3

انتصر ضَبْعو، على أية محاولات لتحجيمه كرجل سَيّر، وزادت شعبيته، وقبوله لدى الناس، رغم بروز آخرين، مارسوا هواية تنظيم حركة السَيّر، ولكن بدافع الواجب وشعور ملح بالمسؤولية، مثل أبو السَعّدي، المسن مخدد الوجه، والمحبوب، اللاجئ من قرية ديربان المدمرة، في الهضاب الوسطى، إلى قرية ترمسعيا، التي تمتاز بفللها الجميلة، وأسطحها القرميدية الحمراء، جُهد تحويلات مغتربيها في أميركا، فهي من القرى التي أصابتها مبكرا، لوثة الهجرة إلى خلف البحار، التي يقال بان حنّا الصاع من رام الله، هو مَن بدأها في منتصف القرن التاسع عشر، عندما ذهب بائع التذكارات هذا رفقة الحجاج اليونانيين، إلى اسطنبول، وقبل نهاية القرن، دشّن بوسف الدِبّيني، الهجرة إلى الأميركيتين، لتصبح عدوى ضربت رام الله وجارتها المتداخلة معها البيرة، وقرى في ريفهما.

ولكن الحدث الأهم، والذي قد يكون المحوري، في مسألة الهجرة، على عُهدة يوسف جريس قدورة، الذي شغل قديمًا رئاسة بلدية رام الله، وصول 100 جنيه ذهبا، مع ولادة القرن العشرين، مِن عيسى عيدة المهاجر إلى البرازيل، إلى والده، والتي يقال بانها أوّل تحويلة مِن نوعها تصل رام الله، وكان الاحتفاء بها حديث الناس فترة طويلة، ومصدر الهام لناس رام الله والبيرة، الذين توافدوا على منزل عيدة لتقديم التهاني والتبريكات.

لفترة طويلة، كانت نساء رام الله يدعين على حنّا الصاع، وعلى يوسف الدِبّيني، لفتحهما باب الهجرة الواسعة، لرجالهن، وترددت في جنبات المنازل أُغنيتهن الحزينة:

سافر وَخُذني معك بفطر على دُكة

بصبر على الجوع ما بصبر على الفُرقة

وفي استقبال العائدين، تُنشد نساء رام الله:

يا مرحبا يا جاي مِن درب القُدّس   يابو ساعة ذهب ولها يرغول

يا مرحبا يا جاي مِن درب القُدّس   لابس ساعة ذهب ومغاوي في اللبس

أبو السَعّدي، الذي يرتدي كوفية مرقطة بالأبيض والأسود، وبدلة سوداء مخططة، يضع أحيانا على عقاله تاجا صغيرًا يحمل صورة ياسر عرفات، وفي عروة الجاكيت يضع وردة. وجهه مألوف في المظاهرات، والمسيرات الشعبية، وعندما استشهد الوزير زياد أبو عين في أراضي ترمسعيا المصادرة من قبل دولة الاحتلال، كان أبو السَعّدي إلى جانبه، وتعرض للضرب من قبل جنود الاحتلال.

أبو السَعّدي، الذي يُطلق عليه لقب (المواطن المقاوم) و(المناضل الثمانيني) و(شيخ المناضلين)، لا يعتبر تنظيم حركة السَيّر، على أجنداته الملحة، كرجلٍ مفعم بالوطنية الثورية التي لا تقبل المساومة. يُشاهد أحيانا على دوّار المنارة، يُنظم حركة السَيّر، ويساعد المشاة في المرور، بدافع، كما يقول تربوي-وطني، لأنه يعتقد بان العدو الإٍسرائيلي قد يحسب حساب الفلسطينيين، فقط إذا رآهم مُنظمين.

ضَبْعو الذي لم يهدد عَرّشه السَيّري، تدخلات أبو السَعّدي، وإن كان رآها أحيانا تعديا على نشاطه، كما قال بعض من التقاهم كاتب هذا السطور، دون أن يفسروا كيف عرفوا ذلك، فضَبْعو قليل الكلام، كثير الضحك والابتسام، وإن تحدّث، فمن الصعب الفهم عليه، إلا للضالعين في مجالسته، وفهمه، مِن خلال حركاته وايماءاته وضحكاته.

ولكن مَن هدد عَرّشه السَيّريّ حقيقة، شرطي سَيّر رسمي شاب، اسمه رائد أبو عوّاد، أدى ظهوره على دوّار المنارة، بلباسه الرسمي الأزرق، وتناسق جسده، وحركاته الغريبة، إلى جعله حديث الناس لفترة من الزمن.

كُتبت تقارير صحافية عديدة عن أبي عوّاد، وصفته بالشرطي الراقص والشرطي الدائري، الذي لا يكف عن الدوران وهو يحرك يديه، لضمان أكبر قدر مِن دقة تنظيم حركة المركبات والناس، واحتفت محطات تلفزة محلية بالشرطي سريع الحركة، ووصفته بالشرطي المبتكر، والديناميكي، والفنان، واحتفت الشرطة بأبي عوّاد، ومنحته شهادة الشرطي المثالي.

وبدا أن الناس، قد نسوا ضَبْعو، مَن يذكر تلك الأيّام عندما كان أفراد حرس الحدود الإٍسرائيلي الشرسين، يلاحقون المتظاهرين، فيبرز ضَبْعو على دوّار المنارة، مُنظما حركة السَيّر، والهدف غير المعلن، عرقلة مهمة الجنود وتشتيت انتباههم، حماية لأولاد وبنات الحجارة؟ مَن يذكر ضَبْعو الذي أنقذ أرواح طلاب وطالبات؟ ولكن رام الله والبيرة، لم تعودا كما كانتا.

مَن تعاطف مع ضَبْعو، مِن الذين ما زالوا يذكرون مآثره الوطنية، حاولوا التقليل مِن جهد أبي عوّاد، وفنيته، مشيرين إلى شرطي راقص آخر، يبهر السائقين في منطقة (العبدلي) الحيوية في العاصمة الأردنية عمّان، وقبل ذلك في (رأس العين)، ومؤكدين بان أبا عوّاد، ليس سوى مُقلدا للشرطي الأردني، وُقدر لكاتب هذه السطور، أن يرى رجل السَيّر الأردني الهمام، في مكانه الأثير، ولاحظ كبر سنه، نسبة لأبي عوّاد، وقدرته على أداء حركات بارعة، بأقل قدر من العصبية، نسبة لما يمكن وصفه بالسرعة أوّ النزق، إن جاز التعبير، لدى أبي عوّاد، وكذلك لا تفارق الابتسامة شفتي هزاع الذنيبات (وهذا هو اسم شرطي الحركات الأردني)، في حين ان ملامح الجدية المفرطة، التي تبدو وكأنها مفتعلة، هي ما تميز الشرطي المثالي الفلسطيني، وأرجو أن لا يزعج، ما خطته هنا، أبا عوّاد، فيعترض، وربّما يطلب اعتذارا، هي فقط محاولة لشرح الأمور، بأكبر قدر من التوصيف، للجمهور، وأنا أكتب قصّة أدبية عن ضَبْعو، بعد تعذر كتابة تحقيق صحافي استقصائي عن ما سيعرف لاحقا بواقعة ضَبْعو، بسبب التضارب الكبير، في أحاديث مَن التقيتهم عنه، حتى ان بعضهم أنكروا وجود شخص بهذا الاسم، أوّ المواصفات، يدبّ في شوارع رام الله والبيرة، التي لا يعرف حدود كلّ منهما، إلا عمّال النظافة في البلديتين.

4

إذا عُدنا إلى الوضع الذي أصبح عليه ضَبْعو، بعد بروز حقبة رائد أبو عوّاد، فإننا سنجده، وكأنه أضحى عاطلا عن الأمل باستعادة دوره القديم، ولكن هذا لا يعني، إنّه شوهد أكثر مِن مرة يقف، أمام مدرسة، أوّ مَسْجِد جمال عبد الناصر، الذي يسميه كارهو الرئيس المصري السابق، لأسباب سياسية، مَسْجِد سيّد قُطب، مفكر الإسلام السياسي الذي أعدمه عبد الناصر، ويسميه المحايدون مَسْجِد البيرة الكبير، يحرك يديه، وجسده، محاولا تقليد أبا عوّاد، ولكنه لم يثر الانتباه، إنّما  الهزء أوّ الشفقة.

بدا أن ضَبْعو، اقتنع بوضعه الجديد، كمتسكع على المنارة، والسوق، وميدان الساعة، وشارع الإرسال، وشارع رُكّب، وفي ظل هذه الظروف، يقال، ومن المهم التأكيد، بانه قد لا يكون أي شيء صحيح في حكايتي هذه، بان أحدهم، سأتحفظ على ذكر اسمه، مرّ بمركبته التي تحمل لوحات تسجيل إٍسرائيلية، لكونه يحمل بطاقة هوية مقدسية زرقاء، ورأى ضَبْعو بملابسه الكاكية، يتجرع مشروبا غازيا، كارها الدنيا، وناسها، شاتما، في سِرّه وعلنه، ناس البيرة ورام الله، صرخ عليه:

-ضَبْعو..ماذا تفعل؟ ضبعووو..يا الله معي على القُدّس..!!

ركب ضَبْعو بجانبه، وانطلقا من رام الله المحاصرة، إلى القُدّس المحاصرة، التي لم يدخلها ضَبْعو منذ سنوات طويلة. لم يطلب الجنود على حاجز قَلَنْديا، مِن ضَبْعو بطاقة تحقيق شخصية، التي لا يحملها على أية حال. فبالنسبة له، فانه ينتمي، في النهاية، إلى قبيلة المنغوليين الكبيرة، هوية كلّ واحد منهم، هي وجهه، وانعكاس رؤيته على الآخرين.

عندما وصلا باب العمود، ترجل ضَبْعو، وذهب صاحب المركبة إلى حاله، تجمع حوله مجموعة مِن الصبية، سألوه، محاولين تلقي إجابة مِن هذا الذي بدا إنّه لم يفهم عليهم:

-هل أنت ضَفّاوي؟

-هل أنت غزّاوي؟

-هل أنت مِن عرب إسرائيل؟

-هل أنت قُدسيّ مثلنا؟

-هل أنت بدويّ؟

-هل أنت فلاح، من الشمال، من الجنوب، من بلاد القرود!؟

تسكع حول أسوار المدينة العتيقة، واحتار من العاهرة اليهودية، القصيرة الشائهة، التي انهكها تجرع المخدرات، والتي خرجت له من بين الشجيرات المعرشة على السور، لتخبره بلغة عربية مكسرة، أسعار خدماتها، مِن القُبْلة، حسب طولها ومكانها، إلى التحسيس ومساحته بالشبر، إلى الأهم من ذلك، وعندما لم تدرك ما هو رد فعله، قالت:

-عربي حقير..بدك تلعب ببلاش..!

ولدى اقترابه من باب الخليل، بدا إنّه تغير فجأة، نما لديه كلّ الشغف والوله الذي اعتقد إنّه غادره، ورأى نفسه كأنه ضبع حقيقي سُجن طويلاً في قفص، وأُطلق سراحه في البراري. وشعر بحريته لدى رؤيته كلّ هذا الكم مِن المركبات، وأزمات المرور. هنا مَلعبه، وحُبه، وشَغفه، وسط هذا الضجيج، يجد نفسه، يصبح سَيّد الشوارع.

ماذا حدث لديه، عندما رأى أزمة السَيّر، التي لم يرّ مثيلا لها في رام الله والبيرة؟ مَركبات مِن كلّ الأنواع، سار حتى وقف على المفرق الفاصل بين القُدسين، التي فصلت بينهما حرب، ووحدتهما حرب. قُدس أصبحت من وجهة نظر العالم إٍسرائيلية، وقُدس، يعترف العالم بأنها فلسطينية، ولكن القُدسين تسيطر عليهما إسرائيل.

ونسي الجميع، بان للِفْتا، وقرية الْمَالْحَة، فضل لا يوصف، على القُدّس الحجرية المسورة، فهما، مَدّا مدينة المساجد والكنائس، بأراضٍ، لتتمدد خارج الأسوار الخانقة، نحو الحداثة.

بدأ ضَبْعو، عندما وقف وحوله شارع يافا، وماميلا، وشارع الخليل، والباب الجديد، وباب الخليل، والأسوار المتطاولة، بتحريك يديه، وجَسَدِه، مُقلدا في بعضها الشرطي الراقص على دوّار المنارة، ونجح، نسبيًا في مهمته، ولكن وكما يحدث معه دائمًا، فحياته سلسلة مِن المفاجآت وعدم الفهم، تنبهت إسرائيلية، إلى شكل ضَبْعو الغريب، ولاحظت بأنّه يرتدي زيا، عزته، إلى السلطة الفلسطينية، وربّما كانت قوية النظر فرأت البروش الملوّن بالأحمر، والأسود، والأبيض، والأخضر. وإن لم تكن أحرزت المرتبة الأولى في مسابقة لقياس بعد النظر القومي على مستوى دولة إسرائيل، فإنها لا شك تستحق اللقب الأوّل في أية مسابقة يمكن ان تفكر دولة الاحتلال بتنظيمها، لتثبت لنفسها وللإقليم وللعالم، ما يتمتع به الجنس السامي (المقصود الفرع اليهودي فقط) مِن قوى غير مكتشفة. ما حدث لضَبْعو، بين القُدسين، ولاحقا، يخضع، مثل باقي حكايتنا، أَيْضًا للتخمين أكثر من أي شيء آخر. وهذا احتراز مسبق لكل اللواتي والذين، سيسألن، وسيسألون، عن حقيقة الأشخاص والاحداث، وهي الأسئلة الأكثر شيوعا التي أُواجها، حول ما أكتبه.

اتصلت الإٍسرائيلية، بخدمة الطوارئ في شرطة القُدّس، مستكثرة، أن يوقفها هذا الفلسطيني اللعين، الشرطي المزيف الذي لا بد أن يكون في مهمة إرهابية، حَضر الشرطة الحقيقيون، وقادوا طريدتهم، إلى مجمع شرطة (المَسْكُويِيّة)، الذي أُقيم جزء منه، على أراضي لِفْتا، مثل المحطة المركزية، والكنيست، والفنادق الفخمة. احتار محققو الشرطة في أمره، وفحصوا الكاميرات المنتشرة في كلّ زاوية في القُدّس، استدعوا الأولاد الذين التقوه في باب العمود، مع آبائهم، والعاهرة الشائهة، التي قالت بانها تتذكر العربي المتنكر بهيئة المنغولي، وتأكد لها بانه ارهابي ومُخرب، ولكنها لم تبلغ أفراد الشرطة المنتشرين قريبًا من مكان عملها، ومنهم مَن رمى نفسه، مرتاحا، على الانجيل الأخضر بجوار السور، لانهم لن يصدقوها، بسبب العلاقة المعقدة بينها وبين رجال الشرطة الذين يكرهونها، ولا يحبون أن يروها، مع انها تحبهم. وكانت على ثقة بسرعة تحرك الشرطة للقبض عليه، بدون مساعدتها. وهذا دليل إضافي على حُبها وثقتها بهم.

الأولاد الملاعين، قالوا بأنهم رأوا غريبا يلتفت حوله، فايقنوا بأنّه ليس مثلهم مِن القُدّس، فأحبوا أن يعرفوا من أي عرب هو. وشتم الآباء، الذين جُرّجِروا إلى مركز التحقيق الإٍسرائيلي هذا، أولادهم، الذين يتسببون لأهلهم بالمتاعب.

 وبعد وجبات الضرب المقررة، والعشوائية، فكل شرطي كان يدخل غرفة التحقيق، يصفع، أو يضرب هذا الذي أهان كرامة شرطة القُدّس الإٍسرائيلية، شلوطا. حوّلوه إلى محققي المخابرات (الشاباك)، أصحاب اليد الطولى فيما يتعلق بالأمن. احتار هؤلاء، الذين لا ينقصهم الغرور، مِن أين يبدءون، مع هذا المخلوق المتهالك، وكيف ينهون الأمر بسرعة، بالحصول على أدق المعلومات، فالأمر يتعلق باختراق ما فيما يعتبرونه، قُدّسهم التي أعلنوا توحيدها، نهائيا وللأبد، لتكون عاصمة لدولتهم.

أخرجوه مِن مكتب التحقيق، وأوقفوه رافعا يديه على جدار بالقرب مِن باب المكتب، ظهر فجأة، جندي درزي، أخذ ضَبْعو بالأحضان، وذكَّره بأيّام رام الله والبيرة في الانتفاضة الأولى:

-كنتم ترشقوننا بالحجارة، ونحن كنّا نطلق عليكم الرصاص..!!

-لم تكن أنت فقط منغوليا..كلنا منغوليين، وما زلنا..!!

-كيف أتيت إلى هنا؟ لوّ أن المحققين هنا يفهمون، لوقعوا معك اتفاقية سلام حقيقية، وفضوا الاشتباك بينكم وبينهم..!

تشجع ضَبْعو، وبدأ يتمتم بكلمات غير مفهومة، ولكن الجندي فهم منها إنّه يتذكره، ويفهم عليه. بالنسبة للمحققين، تنفسوا الصعداء، بعد ساعات من التدقيق المهني، في تسلل ضَبْعو إلى القُدّس، وتسجيله، كما وصفوا الوضع، هدفا أمنيا كبيرًا في ملعبهم، فالمسألة تتعلق، بضَبْعو الذي وجد طريقة للدخول إلى القُدّس، وليكشف عجز شرطتهم المدربة، في بضعة دقائق توفرت الفرصة فيها لديه لينظم حركة المرور.

ضَبْعو يحمل هوية خضراء، مثل بقية أهالي الضفة الغربية وقطاع غزة، الذين كانت لون بطاقة الهوية الخاصة بهم قبل تأسيس السلطة الفلسطينية برتقالية، ولم يكن محظورا عليهم التجول في أراضي فلسطين الانتدابية، ولكن الشاباك، في سنوات الثمانينات، ابتكر طريقة لتمييز المقاومين للاحتلال، الذين يتعرضون للسجن، فأصدر لهم بطاقات خضراء تُمكن الجنود على الحواجز، مِن تمييزهم، وتجعلهم عرضة للضرب والتوقيف، ممّا جعلهم يحدون من حركتهم، وبعد تأسيس السلطة، أصبح جميع الفلسطينيين التابعين للسلطة يحملون بطاقات خضراء ويحظر عليهم الدخول إلى القُدّس والأراضي المحتلة عام 1948، إلا بموجب تصاريح خاصة، بعكس المسؤولين، الذين منحتهم إسرائيل بطاقات ال في.أي.بي، تمكنهم من التحرك في فلسطين الانتدابية، ولكنهم يعيشون دائما، تحت التهديد، بوقف جزئي لصلاحية البطاقات أوّ سحبها، وهو، كما لا بد ان يتوقع القاريء، يسبب قلقا كبيرا للمسؤولين.

5

في مكاتب رام الله الأمنية، التي تصفها تقارير صحافية (بدون شقيقتها البيرة)، بأنها العاصمة المؤقتة لدولة فلسطين العتيدة، أضاءت الهواتف الحمراء، وضع أمنيو السلطة السماعات، وعلى الخط الآخر نظرائهم الإسرائيليين:

-لم نكن نعلم بأنكم عندما فكرتم بتحرير القُدّس أرسلتم إلينا ضَبْعو..!

*ههههههه، وأنتم ألم تجدوا غير ضبعو تتمَرّجَلون عليه؟!

-هههههه نحن في انتظار التقرير عما ستسفر عنه تحقيقاتكم، لنضمه لتحقيقاتنا، واستخلاص العِبَر..!

أُحتجز ضَبْعو لساعات إضافية، ليس لغايات التحقيق، وإنّما للتنسيق، لإعادة هذا المصنف إسرائيليا (شتاحيم) والمقصود بذلك أهالي الضفة الغربية وقطاع غزة، إلى رام الله. انطلق موكبه مِن المَسْكُويِيّة، أمامه وخلفه مركبات حرس الحدود، بينما هو يجلس في سيارة رجال الشاباك، حتى حاجز قَلَنْديا، وفي الانتظار مركبة أمنية فلسطينية، نُسق مسبقا، بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، لتصل هذا المكان الحسّاس، المحظور على مركبات الأمن الفلسطينية، ورجال الأمن بلباسهم الرسمي.

لم ينجح التحقيق الفلسطيني مع ضَبْعو في معرفة الشخص الذي أركبه معه، وحيثيات الواقعة، والأسباب التي أدت إلى ذلك، وإذا كان خلف النوايا الطيبة لضَبْعو، التي يعرفها الأمنيون الفلسطينيون، أخرى شريرة، تستهدف إحراج السلطة، وجهودها في حفظ الأمن والانضباط.

الأجهزة الأمنية الفلسطينية، حديثة الانشاء، نسبة لمثيلاتها في الاقليم، ولكنها كانت قادرة على معرفة هوية السائق، بسرعة قياسية، بسبب ما يقال إنّه العدد الكبير مِن المندوبين (اختراع فلسطيني مماثل تقريبا لمصطلح المخبرين) الذين يعملون معها. تحدث السائق بعفوية، عَنّ مزحة، مجرد لهو، فكرة لا يعرف كيف نبتت في رأسه فجأة، عفو الخاطر، كما يقولون، في عرضه لضَبْعو حين هتف: يا الله على القُدّس، ويا "ليتني ما هتفت، لوّ ان الله شلّ لساني، عندما تلفظت بتلك الجملة"-كما قال للمحققين، ولم يجد نفسه إلا هو وضَبْعو، بقوة الدفع المزاحي واللهو والشيطنة غير معروفة الأسباب، أمام حاجز قَلَنْديا، فمرّا بسهولة، ثم في القُدّس، وان المسألة لم تتعدَ ذلك، وانه جاهز لأي تحقيق، وتحمل أية مسؤولية، يفرضها عليه، قبل أي شيء، الواجب الوطني.

أُغلق التحقيق مع الرجل الذي استمر أيّاما قليلة في السِّجْنِ، وخرج وهو يتحسس آلام وجهه ورقبته، بعد أن وقّع على وثيقة تؤكد عدم تعرضه للتعذيب، تحوطا من قبل الأجهزة الفلسطينية، حتى لا تستغل منظمات حقوق الانسان الكثيرة والمتربصة، وذات النوايا السيئة، والأجندة الخارجية، أيّة مزاعم مُحتملة من قبله، حول تعرضه لسوء المعاملة، كما حدث مع كثيرين قبله.

وأصبح في طريق ذهابه وايابه إلى ومِن القُدّس، يتجنب ضَبْعو المتسكع بلباسه الكاكي، وعندما يتصادف في لحيظات قليلة، ان تلتقي عيناه بعيني ضَبْعو الذابلتين، يبتسمان، وكأنهما يحتفظان بسِرّ لا يعرفانه إلا هما. ولكن لا يمكن كشفه للحكومات والدول، التي تأتي وتذهب، منذ قرون طويلة. وتعتقد انها تعرف أسرار فلسطين الكبيرة والصغيرة، وتقاطعاتها العظيمة، ومصالحها في السِلم والحَرّب. التاريخ يبدأ بها، ولا تأبه لأسّرار ناسها الصغيرة، التي تضفر نَسغ عروق حياتهم، وديمومتها على هذه الأرضّ، وربّما لهذا السبب، كما تقول الأمهات لأبنائهن الملولين النزقين الغاضبين، التواقين للهجرة، هي محكومة بالزوال، والتبدل، حتى لوّ عمّرت ما بدا انها فترات طويلة.

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*