رحلة سعيدة…نايان رحمان ترجمة: محمد عيد إبراهيم

8-15-300x138نايان رحمان كاتبة من بنجلاديش، أصدرت العديد من القصص القصيرة والروايات، لها مجلّداً من كتاباتها تحت عنوان (إكليل من الكلمات)، نالت روايتها (نمط آخر من الحرب) جائزة كابي جاسمودين، وجائزة ناتياشهبه. كما نالت جائزة أكاديمية بنجلاديش الغربية، ووسام آشويني كومار دوت على مجمل إنتاجها الأدبيّ.

التاسعة، بالضبط،
ستمضي خمس عشرة دقيقة أخرى.
لم تعرف رونو دقيقة أطول.
ضجرت شانو. تعالي، يا أختي، عجّلي، سيبدأ البرنامج قبل وصولنا.
كانت الأختان تدرسان في الكلية ذاتها. بدأت الأخت الأصغر، شانو، الكلّيّة هذه السنة، وهي علّة اهتمامها.

ظلّت رونو تتطلّع إلى ساعتها. هكذا بلّغها العرّاف الذي استشارته ـ بعد أداء حسابات عديدة تنطوي، ضمن أشياء أخرى، على تاريخ وساعة مولدها ـ أن التاسعة والربع هي ساعتها الميمونة. أبلغها: التاسعة والربع، لو تركت منزلكِ في التاسعة والربع، ستوفّقين فيما أنتِ مقبلة عليه.
تسلّم ورقة مئة “تاكا” هشّة جديدة مكافأةً. واشترت تميمة من محلّ بير. بلّغته: عندي مشكلة، مشكلة كبيرة.
غادرت رونو المنزل في التاسعة والربع، ركبت عربة ريكشو مع شانو، تطلّعت وراءها عند انطلاق عربة الريكشو من منزلها. والدها مريض منذ يومين. وجاء الطبيب فأمر له بمحلول ملحيّ، وقد تحسّن اليوم قليلاً. طبخت رونو لغذائه حساء أرز قبل أن تغادر، عليها أن تعود في الثانية، لترعى غداءه ودواءه. فهو في الفِراش، يرقد في سكينة وصمت. والدة رونو غائبة في منزل أخيها منذ أيام، ترعى جدّة رونو في مرضها. وصلت برقية تقول إنها ستعود بعد يوم أو اثنين.
قضّت رونو وقتاً وهي تمشي على غير هدىً حول الكلّيّة، ثم استقلّت عربة ريكشو إلى محطة سكّة حديد كاملابور. لم تكن تلبس زيّ كلّيّتها اليوم، لفّت شالها بعناية حول رأسها وهي تتلو صلواتها في بالها بصمت.
تجلس رونو الآن في ديوان قطار. قطار كارنافولي السريع يمضي على رِسله. جلست رونو تتطلّع خارج النافذة، دار وجهها بعيداً عن حشد الرجال الواقفين صفوفاً أمامها.
رفّ جفنا رونو، تطرف مرة بعد مرة، وهي تفكّر في والدها. سيبدأ التحديق في الساعة متسائلاً عن تأخّرها. سيندهش -بدايةً- من أن يرى شانو تعود وحدها، ثم يبدأ القلق. وماذا بعد؟
لم تتصوّر رونو أنها ستترك البيت على هذا النحو. قرّرت الرحيل منذ يومين فقط. جاء بنتو ليراها منذ شهر، قال إنه لن يستطيع المجيء من بعد، أخبرها: عندي مشكلة صغيرة.
وقد أنصتت رونو إلى مشكلته الصغيرة.
بنتو شاب سيّئ الطبع، وأصحابه أسوأ منه، وقد تورّط مع أصحابه في جريمتَي قتل. قتلوا بقّالاً من دون سبب تقريباً، أما ضحيّتهم الثانية فطبيب، كان ممارساً عاماً بعض الوقت. واعَدَ أحد أصحاب بنتو ابنة الطبيب، فاكتشف علاقتهما، فقتلوه. ارتعبت رونو لسماع هذا، عرفت أنه لا مهرب، هذه المرة، من أن تخدع أمّها، ولو عرفت، فلن توافق على إعطاء يد ابنتها للزواج من شاب مثل بنتو، فهي تفضّل أن تراها ميتة على أن تزوّجها بواحد مثله.
لم تردْ رونو أن تموت، فالحياة غالية، وبنتو لا يزال أغلى، ويستحيل أن تفكّر في الموت بينما لا تزال معها ذكرى حبّه الدافئ.
تجعلها حركة القطار والحرارة ورائحة العرَق على وشك الغثيان. هي في حاجة للذهاب إلى الحمّام. لكن، كيف تندفع عبر حائط صُلب من الناس يسدّ طريقها؟ وضعت رأسها خارج النافذة وتقيّأت، ساعدتها امرأة تجلس إلى جانبها على شقّ طريقها نحو الحمّام. غسلت وجهها وذراعيها، وأحسّت براحة، لكنها تقيّأت ثانيةً، جسمها يجيش كأنه يحاول طرد ما في جوفها.
شقّت رونو طريقها عائدة إلى مقعدها، وقد طحنها الحشد، صادفت عيناها عينَي رجل يقف أمامها، يحدجها بنظرة باردة ثابتة، كأنه يقطّع لحمها نُتفاً صغيرة.
كان الأطول في ديوان القطار، والأنحف أيضاً. فمن هو؟ نشّال؟ محتال؟ يحبّ الاحتكاك؟ أدارت وجهها بعيداً، أمسكت رونو بالتميمة المعلّقة بسلسلة فضية حول رقبتها وقبّلتها.
رونو فتاة طيبة، ولأنها أوَّل مولود، فلها مكانة خاصّة في قلبي والديها، يثقان بها، وهي لم تفعل شيئاً يخون تلك الثقة، لم تتركهما حتى اليوم، لكن لم يعد لديها خيار آخر، قد ينسلّ بنتو رويداً من بين يديها.
بدأ رأس رونو يلفّ. كلّمت بنتو البارحة، لم يُبدِ اهتماماً بالكلام معها، أخبرها: لماذا تظنين -ثانيةً- أننا انتهينا؟ لدينا المزيد من الوقت.
تعرف رونو ذلك. كانا شابين، ولديهما الوقت، لكن لا أحد سيقبل. لعائلته مركز اجتماعيّ، لكن بنتو لا. من دون عائلته.. بنتو لا شئ.

صفّر القطار ماضياً في طريقه، يقف في محطّات قبل أن يواصل رحلته. رحلة طويلة. لم تفكّر أنها قد تجوع أو تتعب، فكّرت أنها ستطير إلى بنتو على جناحين ذهبيين، في غمضة عين، وسيكون هناك، ينتظرها، يضيء الرصيف بغرامه. بنتو جذّاب جّداً، ملبسه أنيق، وكلامه رشيق، نكاته، وتكفي ضحكته كي ترغّب أيّ بنت فيه. كان ساقط تعليم، فلم يذهب إلى الكلّيّة، لكن وجهه هو الذي كانت تشتاق عينا رونو إليه.
بنتو، سأكون معك للتوّ، لقد تركت كلّ شيء ورائي: منزلاً طيباً، والدين مؤتمنين، أختاً حلوة وبسيطة. تركتهم كلّهم للأبد، من أجلك أنتَ، لأكون معكَ. أعرف من أنتَ. أعرف أنكَ متعنّت. قاتل… لكن، لا تزال جميلاً… بالنسبة لي…
-وصلنا المحطّة، يا آنسة، ألا تريدين النزول؟
حدّقت رونو، ثم رفعت رأسها من النافذة المصبّعة. هل نعسَت، وهي تفكّر في بنتو؟ هل كان ديوان القطار فارغاً من قبل؟ وقفَتْ.
-أين تتّجهين؟ أين متاعكِ؟ آه، لم تحضري شيئاً معكِ. هربتِ من المنزل، هه؟
تركت رونو القطار من غير أن تردّ على الرجل.
– رونو، هذه الطريق، من هنا.
– تأخر القطار نصف ساعة، أقف منذ زمن.
– أخذ بنتو يدها وكان يشدّها وهو يكلّمها. لم يعط رونو فرصة لتقول كلمة. سار بها إلى قطار آخر وساعدها لتدخل أحد دواوينه.
– اجلسي هنا. أعرف قاطع التذاكر، لقد رتّب هذا المقعد لكِ. فهو مريح وستحصلين منه على منظر جيد، فانتظري هنا، سأجلب لكِ طعاماً.
دُهشت رونو من الطريقة التي تصرّف بها بنتو. ماذا يفعل؟ ولماذا توجد في هذا القطار؟ لم تكن تعرف أين وجهته. أسرع بنتو عائداً بطعام في كيس ورقيّ: تفضّلي، خذي، ما رأيكِ بالشاي؟ انتظري، سأحضر لكِ بعضاً منه. أمسكت رونو يده وأرغمته على الجلوس إلى جانبها.
– لا تلفّ عليّ هكذا، اجلس، لم تخبرني أين نذهب.
– نحن؟ لن نذهب لأيّ مكان، أنتِ. سترجعين إلى دكّا.
– ماذا؟
– سيغادر القطار صوب دكّا بعد دقائق. ستصلين صباح غدٍ. في حدود السابعة والنصف.
– بنتو، لم آتِ الطريق كلّها لأعود. وقفت رونو، حين غرّة، وهي مستثارة.
– لا تصرخي، وقف بنتو أمامها يحجبها عن المسافرين الآخرين. أنا راحل إلى إيران هذا الأسبوع، سأرجع بعد سنتين. وحين أعود أريد أن أراكِ هنا، لكن ليس الآن.
– لماذا لم تخبرني بهذا من قبل؟ واهتزّ صوت رونو بغضب عاجز.
-وهل لنا التأكّد من هذه الأشياء سلفاً؟ هل تفهمين لماذا أذهب إلى إيران؟ تظنين أنها الوِجهة الأمثل؟ ام السجن؟
– بنتو،أنت تحاول أن تجرحني؟
قولي ما شئت، لكن بعد سنتين. واحدة بواحدة.
حان وقت رحيل القطار.
طمأنها بنتو: سأتّصل بكِ في دكّا، لا تقلقي.
لم تكن رونو على وعي بكيس الطعام الذي تمسكه بيدها، فألقته خارج النافذة.
– انزل من القطار الآن، اغرُب عن وجهي.
– لا تفقدي عقلكِ، حبيبةَ قلبي، لا شيء أمامي لأفعله.
اشتعلت عينا رونو من الغضب والخزي وفرط الأسى. لم ترتعب رونو من وجود ذي العينين الباردتين يجلس جنبها. لم تخَفْ قطّ، نزعت التميمة التي تلبسها وحاولت أن تلقي بها من النافذة، فأوقفها الجالس إلى جوارها: لا ترميها، لا أظنّها ستنهي متاعبكِ.
قالت رونو بصوت خفيض: ابتعد عني.
لم تتيقّن رونو من مكانها في البداية، وهي تتطلّع حولها في نور الصباح الصافي.
– وصلنا كاملابور، حان وقت النزول، سآخذكِ إلى البيت.
لم تلحظ أن عينيه تحدّقان خلسةً في وجهها الورديّ المنقوع بالدموع. أسرعت الدرّاجة عبر الطريق الخالية، يتقاذفها وهج شمس الصباح الباكر.

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*