الراحل عبد الوهاب البياتي شاعر المنافي والفقراء والبحث عن النقاء جعفر المهاجر. القسم الثاني

2015-Apr-19-5533d4ac6c32e-55x55القسم الثاني في ديوانه الذي (يأتي ولا يأتي ) يختار الشاعر الكبير سيرة الفيلسوف والشاعر الفارسي المتصوف غياث الدين أبو الفتوح عمر بن ابراهيم المعروف ب (عمر الخيام )1040-1131 ) م ) صاحب الرباعيات الشهيرة التي ترجمت إلى معظم اللغات الحية وتجاوزت الألفي رباعية معظمها يدور حول فلسفة الزهد والشكوى والحكمة والمعاناة والعشق الإلهي والفقر والذي رماه الكثيرون بالكفر لعدم معرفتهم بما حوته تلك الرباعيات من عمق فلسفي بصعب عليهم سبر أغوارها فنحوا ذلك المنحى السلبي إزاءها. ولد عمر الخيام في مدينة (نيسابور) التي كانت من أجمل المدن الفارسية ووصفها ياقوت الحموي في معجم البلدان بأنها (مدينة عظيمة ذات فضائل جسيمة ، وهي معدن الفضلاء ، ومنبع العلماء )حيث جعل البياتي من سيرة هذا العالم والشاعر المتصوف رمزا عميقا يتوغل في عمق قصائد ديوانه (الذي يأتي ولا يأتي ) فمنحها تألقا واخضرارا وتموجا كانسياب النهر المتدفق .لأنه يقف أمام تجربة وجدانية حية وكبيرة تصور معاناة الإنسان الفيلسوف الباحث عن انهمارات الضوء ، وتجليات التوحد مع الذات الإلهية والإنتصار على كل النوازع المادية التي تحيل بينه وبين هذا الذوبان الصوفي البعيد عن كل الرغبات الجسدية الفانية حيث يخاطب البياتي هذه الشخصية التي أبهرته متخذا من رحلته دربا طويلا للمعاناة والألم يحمل في نهايته الخصب والنماء والخير ويبشر بغد نقي لكل فعل نقي وهو يراه في كل رحلاته الكونية رمزا عملاقا يتحدى سجف الظلام رغم كل الصخور والأشواك والأسوار  في سنوات الغربة والترحال كبرت ياخيام  وكبرت من حولك الغابة والأشجار شعرك شاب  والتجاعيد في وجهك والأحلام  ماتت على سور الليالي  مات (أورفيوس ) ومات في داخلك النهر الذي أرضع نيسابور وحمل الأعشاب والزوارق الصغيرة  إلى البحار حمل البذور  وعربات النور إياك والفرار أمامك البحر  ومن ورائك العدو بالمرصاد والموت في كل مكان يضرب الحصار . وفي ديوانه ( الموت في الحياة ) يستخدم الشاعر عبد الوهاب البياتي الرمز (عائشة ) التي يصفها في إحدى مقابلاته ب (أنها وسيط وقطب ومريد الساحر والشاعر الثوري للوصول إلى الضفاف الروحية التي هي قاع الإبداع الأبدي. ) وعائشة شغلت بال البياتي سنين طوال.وما كتبه عنها من شعر حافل بـ (الصور الموحية ، واللمسة السريعة والإيماءة الخاطفة ) كما عبر عنها الناقد الدكتور عز الدين إسماعيل وكتب لها أجمل قصائده وديوانه (بستان عائشه) الحافل بتلك الصور الرمزية المكثفة. والبياتي لايميل في قصائده إلى الإستطراد والحشو والتطويل وكلماته القليلة في القصيدة تدخل إلى عالم الشعرالحقيقي الباحث عن النقاء بجدارة فائقة وهي تعبر البحار والمحيطات وتدخل في قلوب المهتمين بالرؤى والطاقات الشعرية الحية في هذا العالم. وعائشة بالنسبة له ولادة جديدة ويعبر من خلالها برفضه للظلم والقهر والنزوع نحو المظاهر الزائفة في هذا العالم. وحين يكتب عن عائشة يوظف معها حكمة يونانية من خلال بيت للمتنبي ويتطرق فيه إلى عشتار أو (أنانا ) إلهة الخصب عند السومريين والجمال والحرب عند البابليين ثم يعرج على شخصية (أورفيوس) اليوناني الباحثة عن عالم نقي لايسود فيها أعداء الإنسان والتي تحمل روح التضحية والفداء من أجل إسعاد الآخرين. كل تلك الرموز ليست بحثا عن رموز لاتعني شيئا لكنها رموز حية في التأريخ العالمي بحيث تصبح جميعها مشتركة في هم واحد لايؤثر على وحدة القصيده وهو هم البحث عن النقاء في هذا العالم المليء بالأهواء والرغبات المادية الجامحة التي تجعل من الإنسان اللاهث وراءها أسيرها الأبدي. ويبقى القسط الأكبر من أسرار عائشة كامنا في روح الشاعر وذاكرته أكثر من الصورة الظاهرية لها .ومن خلال حديثه عن عائشة يقول في إحدى مقابلاته: (أما عائشة التي طالما شغلت مساحة واسعة من ذاكرتي ، بل ومن ذاكرة الآخر فهي تطل في كل تجربة شعرية جديدة بمعنى جديد ضمن سلسلة متصلة من التحولات التي تمزج بين الواقعي والأسطوري فعائشة ليس لها قبر معين ، لأنها لو كانت قد ماتت لكان لها قبر فهي ميتة وحية ، حاضرة وغائبة ، أو إنها لم تولد بعد لأنها ماتزال كلمة مقدسة .. أو بعبارة أخرى في البدء كانت الكلمة في حياة كل إنسان عبارة عن مناطق ومساحات ممنوع الإقتراب منها .إذ أن الشاعر يحتفظ بها بعيدا عن أعين الفضوليين والمتسائلين لأنها سر من أسراره . كما إنه يحتفظ بمفتاح هذه المناطق المحببة لكي يورثها لمن بعده قبل موته بقليل ، وهناك وصايا وأسرار كثيره لايبوح بها ، لأنها سر من أسرار قوته .)  وفي قصيدته (مرثية إلى عائشة) يقول: يموت راعي الضأن في انتظاره  ميتة جالينوس يأكل قرص الشمس أورفيوس  تبكي على الفرات عشتروت تبحث في مياهه عن خاتم ضاع وعن أغنية تموت  تندب تموز يازوارق الدخان  عائشة عادت مع الشتاء للبستان صفصافة عارية الأوراق  تبكي على الفرات  تصنع من دموعها  تاجا لحب مات  تعبث في خصلات شعرها الجرذان  تزحف فوق وجهها جحافل الديدان  لتأكل العينين عائشة تنام في المابين  مقطوعة الرأس على الأريكة أيتها المليكة رأيت – رؤيا – كانت السماء ترعد فاستجابت الأرض لها سحابة من نار. ولا ينسى البياتي اختيار (سيزيف ) رمز العذاب الإنساني الذي غضبت عليه الآلهة وجعلته يحمل صخرة ثقيلة إلى قمة الجبل وبعد جهد جهيد تسقط تلك الصخرة من يديه إلى قعر الوادي السحيق ليعود سيزيف وهو يحملها على صدره من جديد، ويظل يدورفي دوامة الألم والمعاناة مادامت رئتاه تتنفس الهواء. حيث يوظف البياتي هذا الرمز اليوناني ليعبرعن معاناة الإنسان المعاصر المستمرة في ظل أنظمة القهر والظلم والسجون المظلمة. يقول البياتي في قصيدته (في المنفى ) من ديوانه (أباريق مهشمة) : عبثا نحاول أيها الموتى الفرار من مخلب الوحش العنيد  من وحشة المنفى البعيد  الصخرة الصماء للوادي يدحرجها العبيد  ( سيزيف ) يبحث من جديد  في صورة المنفى الشريد ويظل يعدو في الطريق  عبد الحياة أنا الرقيق عبد الحياة يحمل الصخرة من جديد من السفح البليد. وبهذه القصيدة الرمزية يصرخ البياتي في وجوه الأصنام الذين يستعبدون البشر ويسومونهم سوء العذاب من أجل أن ينعموا بلذيذ العيش على حساب الطبقات المسحوقة المصطلية بجورهم واضطهادهم  وحين يلجأ الشاعر البياتي إلى الرمز (عشتار) التي هبطت إلى العالم السفلي ،ودخلت الجحيم ذو الأبواب السبعة لإنقاذ إبنها (تموز) لتبعثه حيا بعد تلك الرحلة الطويلة المضنية حيث يعودان إلى الأرض فتنبت الأزهار، ويحصل النماء، وتكتسي الأرض بالخضرة والعطاء . والبياتي في عملية اختياره لعشتار يصور جحيم عشتار في بحثها وهبوطها إلى العالم السفلي فيقرنه بالجحيم الذي تعيشه المرأة اليوم تحت نير أنظمة القهر والظلام التي تحرمها من أبسط حقوقها الإنسانية ،وتطالبها بالإنجاب فقط. وتجعل منها سلعة تباع وتشترى في سوق النخاسة كما يفعل ظلاميوا العصر الجدد الدواعش والأنظمة التي أنتجت هذا الوحش الضاري. لكن عشتار لم ترضخ ولم تستسلم لهذه المعادلة الظالمة التي تصادرإنسانيتها ووجودها. ويمثل عشتار بالسروة التي تحمل في أحشائها البركان وتتلقى بصدرها العاري الصواعق المحرقة لكنها تحمل في داخلها سر الميلاد والحب والخصب: تذرف السروة في الليل دموع العاشقه وتعري صدرها للصاعقه وعلى أقدامها يسجد عراف الفصول عاريا أنهكه البرد  وغطى وجهه ثلج الحقول  ويطلق صرخته الأخيرة بهذه العباره: فمتى عشتار للبيت مع العصفور والنور تعود؟ وكأنه يريد أن يقول : متى يتحقق حلم المرأة المسحوقة المناضلة من أجل حقوقها الإنسانية على أديم هذه الأرض ؟ وحين يعبر في قصيدته (محنة أبي العلاء المعري ) في ديوانه (سفر الفقر والثوره ) يجسد محنة ذلك الفيلسوف (رهين المحبسين )في قريته الصغيرة (معرة النعمان ) والذي تجاوز عصره صاحب (الكوميديا الإلهية) التي ترجمها الشاعر الإيطالي (دانتي ) وكتب عنها الكثير من الأدباء الكبار منهم الدكتورة الكاتبة والمفكرة الراحلة عائشة عبد الرحمن الملقبة ( بنت الشاطئ ) وصاحب اللزوميات الذي عاش غريبا في مجتمعه وحرم على نفسه أكل اللحوم وعبر عن نفسه بالبيت الشعري الآتي : وإني وإن كنت الأخير زمانه لآت بما لم تستطعه الأوائل ولاقى مالاقى من العنت والظلم في مجتمعه ومن الشعراء الذين عاصروه ورد على من اتهمه بالكفر والإلحاد قائلا:  تعالى رازق الأحياء طرا  لقد وهت المروءة والحياءُ! وإن الموت راحة هبرزي  أضر بلبه داء عياءُ ومالي لاأكون وصي نفسي ولا تعصي أموري الأوصياءُ وقد فتشت عن أصحاب دين  لهم نسكُ ، وليس لهم رياءُ فألفيت البهائم لاعقول  تقيم لها الدليل ، ولا ضياءُ و( الهبزري ) المقدام في كل شيئ. حيث يجعل البياتي من محنته موضوعا وربما اعتبر محنة أبي العلاء قريبة من محنته التي ولدت لديه شعورا عميقا بالغربة في وطنه الذي تهافت فيه الشعراء الخصيان على أعتاب السلطان وصار المنفى مكانا يلجأ إليه العباقرة المتقدمين على عصرهم وكان البياتي في قرارة نفسه يعتقد إنه أحدهم فاختار المنافي حيث يقول في هذه القصيده:  كان زمانا داعرا ياسيدي كان بلا ضفاف  الشعراء غرقوا فيه  وما كانوا سوى خراف وكنت أنت بينهم عراف وكنت في مأدبة اللئام  شاهد عصر ساده الظلام  وفي قعر المعرة إن أردتم سادتي أقول ماقاله الشاعر للسلطان عبر عصور القهر والهوان  فنحن بركان بلا دخان وثورة ليس لها أوان .! لقد كانت ثورة البياتي مستمرة على الواقع المعاش لازمته في معظم مساحات عمره الشعري ولم يستكن ولم يهدأ له بال والتي زادتها انبعاثا وتألقا وإصرارا تلك المنافي المتعبة القاسية التي امتزجت بمطالعاته المعمقة لتلك الرموز الأسطورية وللكثير من الشعراء كطرفة بن العبد وأبي العلاء المعري وأبي الطيب المتنبي والحسن بن هاني الملقب ب (أبي نؤاس ) والشريف الرضي وغيرهم من الشعراء الذين أمتاز شعرهم بالتمرد على الواقع والقيم السائدة آنذاك لكن لغتهم كانت مصطنعة،ولأن الأشياء التي يصفونها موجودة قبل وجودهم ف(انطفأوا على أسوارعصورهم فالشكل الذي لم يستطيعوا تجاوزه كان قيدا على رؤاهم وعواطفهم المتمردة خلافا لأشعار من جاء بعدهم ) لقد قرأ البياتي لأولئك الشعراء وقرأ للشعراء المعاصرين ومنهم (رفائيل البرتي) و(غوته )و(ناظم حكمت) و(لوركا ) و(مايكوفسكي) و(بوشكين )، و(أودن) و(بابلو نيرودا) و(أليوت) في (الأرض الخراب ) ووالت وايتمان في ديوانه الوحيد (أوراق العشب ) و(البير كامو) فمازج بين تلك وهذه تمازجا فلسفيا واعيا ووظفها لإطلاق قريحته الشعرية المتألقة ومزجها بمعاناته وأسفاره في منافيه التي أنتجت الصور والرؤى المعبرة عن وجدان الإنسان المعاصر بعيدا عن بلاط الحاكم وزمرته التي لاتبغي غير المدح من فم الشاعر لتسقطه . فنالت قصائده بعدا عالميا نابضا في ثورته الشعرية العارمة. والثورة الشعرية عند البياتي كما يقول (عملية عبور من خلال الموت فالإنسان يموت بقدر مايولد ويولد بقدر ما يموت. ) وهو يجسد كلامه هذا شعرا من خلال اختياره الدقيق لشخوص قصائده.وهو يتبرأ من شعرلايدافع عن قضايا الإنسان ومعاناته وصراعه ضد القهر والظلم ويعلن صرخته واحتجاجه على مداحي السلطان الذين يبيعون شرفهم في بلاطه الذي يعج بالأدران والفساد والإنحطاط فيتحولون إلى دمى تافهة في جوقته الراقصة .إن هؤلاء المداحين الذين صيروا الشعر أبواقا وأحذية يستعملها السلطان لإخفاء عورته أفلسوا أخلاقيا وباتوا خارج الزمن ولفظتهم شعوبهم لفظ النواة وهم حصلوا فقط على المال والهدايا والعطايا المحرمة المسروقة من دماء الفقراء التي لاقيمة لها أمام سقوطهم الأخلاقي فالشعر أسمى من هؤلاء ولو تردد على ألسنتهم. ففي قصيدته (حجر التحول الأخضر ) يقول:  الشعر هو العصيان والفرح المكتوب عليه بأن يشقى في كل الأزمان وحضور وغياب لطقوس الحب السري بنار الكلمات فعلى الشاعر أن يختار : مابين ربيع الأرض المتمرد والعبد المخصي بباب السلطان  والطبل الأجوف والقيثار والحلزون الأعمى والنمر الوثاب  والثائر والشحاذ خرجت من نار الشعر الآيات  ونبيو الثورات فلماذا شاعرنا مات؟ فوق رصيف مهجور  منتحرا بفقاعات الكلمات ورصاص الطقس المتغير للمأساة وللملهاة أتبرأ من قافية يزني فيها ثرثاروا الشعراء في لا – زمن الثوار أتبرأ من شعر يزني باسم الشعر ويعلن إفلاس الإنسان ألعنكم باسم الفقراء ! واللغة الحية مزهرة فوق شفاه البسطاء !  أشطر قلبي نصفين  أعطي نصفا لرحلات الشعر الكونية والبحر وعمال وفلاحي وطني  وربيع الأرض الثائر  والشعراء المسكونين بنار الشعر الزرقاء ونصفا معبوداتي  وقضية شعبي الخارج من منفى التأريخ  بهذه الومضات الشعرية اللاهبة النازفة من قلب الشاعر الكبير الذي قضى شطرا طويلا من حياته في الغربة يعبر عن معاناته فيشطر قلبه نصفين نصف لفقراء وطنه ونصف لرحلاته ومنافيه حيث يتسلط الأشرار والطغاة على مقدرات هذا الوطن الذي حرم منه ورغم كل هذا الظلم فهو يشعل الأمل في (حجر التحول الأخضر) ويبشر بالثورات القادمة بكلماته وأحرفه التي هي سلاحه الوحيد . ولا يمكن للشاعر الأصيل والثائر والمؤمن برسالة الشعر الحقيقية أن يتحول إلى عبد مخصي ، أو طبل أجوف في قصور العهر والجريمة . وسيبقى هو في منافيه حليفا لليل يناجيه ويعاني ويشقى فيه من أجل رسالته التي يأبى أن تدنس: كان حليفا لليل وعليه أن يشرح في دعوته الآن ، النور ويشعل نار الأمل الأرضي  ويحرث أرض الله الحبلى بالثورات .  جعفر المهاجر. 16/1/2016 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*