صناديقنا الفارغة … حسين السنيد

2015-Jan-11-54b240b707a45-300x298 (1)حين شهقت الشهقة الاخيرة و سرى برد الموت في شراييني , شعرت ان اناملي تفقد شيئا فشيئا دفئها. بدء البرد يسري من منطقة القلب بالضبط,احسست بسريان البرد من هناك ثم انسال الى باقي الجسد , هل شاهدتم غروب الشمس من قبل ؟ حين تبدأ الشمس بالافول , لاتستسلم السماء للظلام فورا بل تقاوم.. فتحمر و تحمر قبل ان يعلن الليل انتصاره و حينها ترضخ وترتدي السواد . و الموت , يستهدف شموسنا اللافحة.. قلوبنا , و حين يبدأ القلب يضخ الموت البارد , ستعرف انه غلبك , فتستسلم و تغمض عيونك منتظرا الانطفاء النهائي لجذوتك .

تغمض عيونك .. لكن تستمر ترى عبر غربال ,وجوها تحتشد امامك و تسمع طنينها , لن تعرفها في بادئ الامر و لكن ستعرف بعد حين انها وجوه اطفالك واخوانك واصدقاءك . سترى وجه ابيك في شبابه و امك في مشيبها , و طفلك في يوم ميلاده و زوجتك في يوم العرس . تبدأ الوجوه تذوب في الظلام و ينمحي الطنين في السكوت.. تاركا خلفه دويا مكتوما,و انت تبقى وحيدا .

انا ميت الان ..سمعت في آخر لحظاتي ضوضاء وكلاما مشوشا و كان الزبد يسيل من فمي . اختفى كل شيئ بعد لحظات , الان لا اسمع شيئا و المشهد امامي اسود تماما بعد ان الموت طوح بي في بئر عميقة, لا افق و لاضوء ولا صوت .. والبرد ايضا غادرني , صرت لاباردا ولا حارا , لا حركة و لاسكون , اشعر اني اطفو في فضاء لا اراه .

لا اعرف كم بقيت في هذا الفراغ الواجم. قبل ان يتلاشى الظلام تدريجيا و يبزغ ضوئا ما . و كأن الشمس اشرقت من جديد ,و لكني لم اشعر اني فتحت عيوني . صار الضوء شمسا , حاولت ان انطق فلم استطع , حاولت ان اتحرك فلم اقدر . و تذكرت اني ميت !!

وبعد مدة .. ظهر صندوق معلق من نقطة مضيئة , و كأنه كان ملفوفا بالضباب و ظهر فجأة فوقي تماما , كان الصندوق كبيرا يتهزهز و يصدر صريرا بحركته هذه .

انا ارى لاول مرة ..منذ موتي .

قال صوت بعيد ولكنه مسموع , مقتحما اذني من كل الاتجهات .

* انت ميت الان …

لم احاول ان اجبه لاني كنت حاولت تحريك شفتاي من قبل ولم انجح . كرر الصوت قوله:

* انت ميت الان …

حاولت ان انطق .. فانسالت الكلمات من فمي بسهولة هذه المرة.

* اين انا ؟؟ اين هنا ؟؟

* انتهت ايامك .. انه وقت الرحيل.

* هل يمكن تاجيل الامر ؟؟ لي اسرة واطفال واعمال واماني و امال واصدقاء ..

* لا للاسف .. لايمكن التاجيل.

تأففت يائسا ..وقلت:

* ماهذا الصندوق المعلق ؟؟

* هذا صندوقك .. فيه كل ما يتعلق بك .

* كل ما يتعلق بي ؟؟ كل ما املك ؟

* كلا .. كل ماتملك صار ملكا للارض من بعدك ..

* و الذكريات ؟ ماذا عن ذكرياتي و ايامي ؟ اصدقائي ؟ طفولتي و شبابي ؟

* ذكرياتك اصبحن للزمن.

* و اطفالي ..اسرتي ؟ زوجتي ؟ ابي وامي واخواني؟

* كل اسرتك كانت شيئا مؤقتا … انها كانت ملك لقلبك . وقلبك متوقف الان.

قلت ساخرا :

* ماذا في الصندوق ؟؟ هل هو جسمي ؟

فرد الصوت :

* جسمك اصبح للغبار الان .

* على ماذا يحتوي الصندوق .. افتحه لي.

نزل الصندوق ببطئ و مع لحظات نزوله البطيئة والثقيلة احسست باني استطيع ان احرك يدي , فتحت الصندوق بلهفة و كان الصندوق فارغا!! انتابتني موجة من العصبية وصرخت بجنون

* لا املك شيئا ؟؟؟؟؟

* نعم ..لا تملك شيئا.

* كل حياتي ؟؟ ماذا املك ؟ لماذا صندوقي فارغ

قال الصوت :

* لحظات الحياة كانت ملك لك .. كل لحظة و كل ثانية كانت لك انت .. وصندوق حياتك فارغ و خال من اللحظات . اسف لك ..انك لم تقدر هذه اللحظات .

صرخت :

* وعملي ..دراستي ..حبي ..شبابي ..اطفالي ..اسرتي ..بيتي ..

مراهقتي في الدروب الضيقة ؟ قبلتي الاولى على شفاه الحبيبة ؟ الضحكة الاولى لطفلي ؟ انا رجل يملك كل شيئ ..كل شيئ

قال الصوت و كان اصبح قريبا لي جدا ..و كأنه ينطق من صدري:

* كل ما ذكرت .. كانت لحظات حياتك و دقائقها و ثوانيها ,كانت لك حياة جميلة ؟ فهل كنت تعرف قيمة ما تملك من جمال اللحظات ؟ لو كنت لما كان صندوقك فارغا .

قال هذا .. ورفع الصندوق و ضاع في مدى غير واضح .و رجعت انا رجل ميت , من غير لحظات .

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*