يد الجلّاد طالت (عبد اللطيف اللعبي) ولم تمس روحه…المغرب ـ محمد بوزرواطة

عبد-اللطيف-اللعبي-300x171بعد تعرضه لمحاولة اغتيال..
 

تَعرَّض الكاتب المغربي عبد اللطيف اللعبي (1942)، منذ فترة قريبة، في مقر سكناه بمنطقة الهرهورة، بالقرب من الرباط، إلى حادث عنيف، قام من خلاله المُعتدي- وهو شاب مُلثم في العشرينيات من عُمره- بطعن الكاتب بسكّين على مُستوى الرقبة، فيما شَجَّ رأس جوسلين زوجته ورفيقة دربه (في الكتابة والحياة) بمزهرية أصابتها بجروح بليغة. الحادثُ يُعيدُنا إلى واقعة مُشابهة تعرَّضَ لها الروائي الكبير نجيب محفوظ، في الشهر ذاته من عام 1994، في أحد شوارع القاهرة الكبيرة. فهل قدرُ الفكر الحرّ والعقل المُستنير، في عالمنا العربي، الاصطدامُ ، دَوماً، بجحافل الظلام وبأسوارالفكرالغيبي المُتعنِّت؟
لم يكن ردُّ شاعرنا هجومياً وانتقامياً، لكنه تَروَّى- كعادة الحكماء- بعد أن تَحسَّنت صحّته، وتعافى تدريجياً، ثُمَ جاء ردّ فعل كاتبنا وزوجته مُطمئناً الجميعَ من الأصدقاء والرفاق والقرّاء من محبّيه، في أصقاع العالم، وبنبرة تفاؤلية وروح كبيرة وَهمّة إنسانية عالية، بأن الحياة ينبغي لها أن تستمرّ، وأن نعيشها في العمق… إذا ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، كما قال صديقه الشاعر الراحل محمود درويش.
عبد اللطيف اللعبي، مجنون الأمل(كما سمّى نفسه) وُلِد في فاس العام 1942، من أسرة متواضعة الحال، تلقّى تعليمه الأوَّل في فاس، في ظروف استعمارية قاهرة، وأبدى شغفاً كبيراً بمطالعاته الأولى لروّاد الأدب الفرنسي الكبار، وانبهر كثيراً بعوالم دوستوفسكي، الذي جعل الفتى في حالة اندهاش قُصوى، أمام عزلة الفرد وهشاشته، وسط شروط إنسانية خانقة تضعُ مصير الكائن البشري على حافّة الانهيار. كما تفتَّق ذهنهُ على حكواتيّي الأسواق والأزقّة في دروب مدينة فاس العتيقة المُتَّكئة على تراث ضخم من الحكايا والأهازيج الشعبية المُوغلة في أعماق التاريخ والذاكرة. في العام 1964 تخرَّج عبد اللطيف اللعبي في جامعة الرباط، كلّيّة الآداب والعلوم الإنسانية، ليُعيَّن، بعد ذلك، مُدرِّساً للفرنسية في إحدى ثانويات العاصمة، وفي السنة ذاتها يقترن برفيقة العُمر جوسلين، التي ستخوضُ معه -لا حقاً- رحلة النضال والمعاناة من أجل الحرّيّة والكرامة الإنسانية، لمغرب حقيقي، كان يراه اللعبي -في تلك الفترة- يسيرُ، ببطء، نحو قيم الحداثة والتقدُّم والعصرنة، هذا الهاجس الأهمّ، جعلهُ يَلتفُّ، رفقة نخبة من كُتّاب اليسار-آنذاك- لإنشاء مجلّة (أنفاس)، التي تأسَّست العام 1966، بمعيَّة كلّ من: الروائي محمد خير الدين، ومصطفى النيسابوري، والتشكيليَّيْن، فريد بالكاهية، ومحمد شبعة، اللذين أَضفيَا على المجلّة روحاً جديدة، من حيث الإخراج والتصميم.
اتّسمت أعداد المجلّة، التي كانت تصدر باللغتين: الفرنسية، والعربية، بنزعتها الثورية وبخطّها الطلائعي ورؤيتها الوثَّابَة نحو التغيير والراديكالية. في هذا الاتّجاه أدلَى زعيمُ السورياليين أندري بريتون بشهادة قويّة ومؤثّرة، حينما تصفَّح أَحَد أعدادها، فقال: «من هنا ستبدأُ الثورة». لم تكن المجلةُ- في حقيقة الأمر- تَركُنُ إلى الحلول السهلة والأساليب التبسيطية في التعامل مع القضايا والمشاكل المصيرية، والمُلحّة، للمجتمع المغربي، بل كانت العين الراصدة والثاقبة التي تتفحّص الجوهر الأساسي، للأعطاب والاختلالات التي أصابت المغرب في الصميم، سنوات قليلة بعد الاستقلال. من هُنا، كان امتعاض السلطات الرسمية وانزعاجها من أداء هذه المجلّة الفتيّة، التي ضاقت بها ذرعاً، فكبحت أنفاسها، واعتقلت محرِّريها، وزَجَّت برئيسها عبد اللطيف اللعبي بسجن القنيطرة، شمال المغرب، بعد أن حكمت عليه بعشر سنوات نافذة، ابتداءً من سنة 1972، حيثُ تعرَّض لأبشع صنوف التعذيب والعنف المُمنهج. لقد تَحوَّل اللعبي، من مُفكِّر يصدحُ بالمواقف والآراء المُساندة للحرّيّة والمواطنة، إلى مجرّد سجين، يَحمل، على ظهره، الرقم (18611): تُرى، أَيُّ جرم ارتكبهُ هذا الشاعر الحالم، ليُواجَهَ بكُل هذه الفظاعات؟ يقولُ اللعبي: «لقد أمدّتني تجربة الاعتقال والسجن بالمزيد من التأمُّل والتبصّر في الوضع العامّ والشامل للبلد، لقد تَعاليتُ على عقليّة الجلّاد المتعجرفة، بإمكاني، في هذه اللحظة، أن أُسامحهُ، وأن أغفر له كل المُمارسات الشنعاء التي طالت جسدي الرهيف، غيرَ أنَّهُ لم يَكترث بروحي، ولم يأبه بها، روحي التي ظلت مُتوثّبةً للأفق والحرّيّة على الدوام.. لقد منحني السَجَّانُ فرصةً- لا تعوَّض- للشفافية».
في العام 1985، وبعد اطلاق سراحه، غادر اللعبي المغرب، ليستقرّ- أخيراً- في الضفّة الأخرى من المتوسّط، مُواصلاً دراساته وكتاباته في حقول شتّى: في الشعر، والرواية، والمسرح، وقصص الأطفال، وهي أعمالٌ إبداعية تربو على الثلاثين مؤلَّفاً، في خضمّ مسيرة خمسون سنة من الكدَّ والنضال الدؤوب، كما اهتمَّ، على نحو خاصّ، بترجمة أساطين الشعر العربي الحديث إلى اللغة الفرنسية، كمحمود درويش، وسميح القاسم، وسعدي يوسف، ومحمد الماغوط، وقاسم حداد، وعبد الوهاب البياتي، وقد نقل بعض النصوص السردية إلى الفرنسية، كأعمال غسان كنفاني، والروائي السوري حنّا مينة، الذي تَرجَم له روايته المتفرِّدة (الشمس في يوم غائم)، كما انبرى لإنجاز كتاب (أنطولوجيا الشعر المغربي)، وآخر عن (أنطولوجيا الشعر الفلسطيني)، وفيه رصدٌ شامل لأهمّ الأصوات الفلسطينية المُبدعة، في الداخل وفي الخارج، التي ارتبطت بالجرح الفلسطيني المُقاوِم. في هذا السياق، تبدو الكتابة عند عبد اللطيف اللعبي في تَمَاهٍ كامل مع الحياة؛ إذ لا انفصال بينهما، إنَّه أقرب ما يكونُ إلى حالة وَجد وانصهار عميق مع الهموم الاجتماعية والقضايا المصيرية لشعبه وأمّته، ولا يرى اللعبي- فيما يَكتُب- أيَّ فوارق بين الأجناس الأدبية، فكلّها تحضُر، في أثناء عملية الكتابة، بشكل عفوي وتلقائي، إلى درجة يصعبُ معها- في بعض الأحيان- تجنيس هذا الكتاب، سواء أكان سيرة ذاتيةً أم رواية، فالكتابة، عنده، هي موقف من العالم ورؤية استبطانية للوجود، مع عودة مُجدّدة للذاكرة، ولروح الأمكنة التي تَلبّسَتهُ عبر تلك الأزمنة الغابرة، منذ كان طفلاً يَجولُ في أزقة فاس ومتسكِّعاً بين مقابرها وأضرحتها، مُصغياً إلى أصوات الباعة، ومُتوغِّلاً في زحام المهرجان الكبير للحكّائين المَهرة، ممَّن أثّثوا ذاكرته بمخزون هائل، من سيل لا ينتهي من الحكايات والأساطير. هذا ما تشي به -على نحو خاصّ- روايته (قاع الجرَّة)، وهي سيرة ذاتية عن البؤس والعَوز، في ظل الحماية الفرنسية الغاصبة، للمغرب. يقول عبد اللطيف اللعبي: «لا اُحبُّ التكريمات… أقصدُ (أكرهُها)، مع احتراماتي للدوائر، والنوايا التي تكون وراءها، الأَوْلَى أن يُقرَأَ النص، فهو الأجدرُ بالحفاوة والتكريم، لستُ نادماً على شيء، كلُ ما قمتُ به كان ينبغي أن أقوم به؛ إرضاءً لضميري وانسجاماً مع موقفي تجاه الحقيقة التي تتطلّبُها مني المرحلة؛ كوني مناضلاً وأديباً يُنافح عن الإنسان، دفاعاً عن كرامته المهدورة».
حاز عبد اللطيف اللعبي العديد من الجوائز التي مُنحت له، عربونَ وفاءٍ لمسيرته الأدبية، وتتويجاً لمسار حافل بالكتابة والإبداع، من أبرزها: وسام الاستحقاق للفنون والآداب الذي منحه له وزير الثقافة الفرنسي (جاك لانغ)، العام 1985، وفي العام 2009 استحقّ جائزة الغونكور للشعر، كما منحته أكاديمية اللغة الفرنسية جائزتها الكبرى للفرانكوفونية، العام 2011.

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*