شعرية التفاصيل المقاربة للذات…«زينة عازار» في ديوانها الشعري الجديد «أجمع نفسي وحسب»: عبد الكريم كاظم

غلاف-المجموعة-الشعرية-203x300لعل كلمة الذات قادمة من رحم البناء اللغوي والتكثيف الدلالي المنطوي عليه ومن هنا يمكننا القول، لن يكون لدينا نص شعري جمالي عموما، وذاتي خصوصا. من غير أن يكون المعنى المتصل بالذات مطابقا في شكله الفني مع الدلالة فالتشبيهات والاستعارات والكنايات والإشارات هي بعض التفاصيل المتنوعة التي بواسطتها سيحلق النص الشعري مع ذات الشاعرة الذي لا يفرط بخصوصيته في الكتابة ذلك أن الخصوصية هنا هي ربيبة النص وهي البوصلة التي تغوي لغة الشاعرة مثلما تقود القارىء لاكتشاف مكامن المعاني.
في هذه المجموعة الشعرية المعنونة: (أجمع نفسي وحسب) للشاعرة زينة عازار والصادرة عن دار مخطوطات- 2016 ثمة لغة ذاتية لحياة بأكملها ولكن الشعر في هذه الحياة لا يفارقها، ويقولها أيضا ليلخصها أحيانا أو يخلص إليها ويهبها جماليات متنوعة تتصل بالحياة نفسها وفي المجموعة أيضا سيصغي القارىء جيدا لتفاصيل الذات ومكرها المتصل باللغة الشعرية تارة وبالحواس تارة أخرى. وهذه الأخيرة لا تفرط بالوضوح ولا تتذرع بالغموض وكلما سعت القراءة النقدية إلى كشف جمالية المعنى أو فنية اللغة وتوأمة النص مع الذات لمسنا قدرة الشاعرة زينة عازار على توظيف المخيلة بمنتهى الحرية التي تجدد بدورها حركية المعنى الشعري. لنقرأ بعض الالتقاطات: (هل كان يجب أن أكتب شيئا كي لا تبدو الحياة معطلة؟) (لي عمر فراشة وذاكرة سمكة) (قد اتكلم دون حاجة للغة خاصة كي لا تحجمني وعورة هذا العالم وسذاجة هذه الكلمات) (التوحد المضطرب في الكون هو جسدي الذي اتحسسه كلما صحوت) (وراء الباب وقت لا ينتهي وجمع من العميان) .
في موضوعة الذات سوف يتجلى العذاب اللغوي الذي تجابهه الشاعرة في النص دون أن تقدر على تفادي المعنى المباغت الذي يأخذ طبيعة جمالية وهي طبيعة لا تنجح أقنعة اللغة الشعرية أن تخفي تجليها الذاتي نفسه أو دلالاتها الفنية المفرطة، وكأن الشاعرة هنا تمارس ضربا من السبر المتصل بالذات في كثير من تحولاته الرمزية الموازية للنص .. لنطلع على بعض هذه الإشارات – التحولات المتصلة بالذات: (سوف تعلم انك لست نفسك حتى تكون في العالم) (سيكون صوتك أحد الأشياء المتروكة التي تأخذ شكلا) (كم يصير المكان شديد الغرابة حين تحاول استرجاعه بالكلمات).
الذات الشاعرة بشتى تجلياتها الإنسانية هي النقطة الإساسية في هذه المجموعة وهي الركيزة أيضا التي سوف تصدر منها وتذهب إليها تجربة زينة عازار في النص والحياة معا إذ هي لم تكن مرتبطة إلا بنصها ولم تطمئن للحياة إلا من خلال نصها أيضا ولم تقف الشاعرة عند حدود نص بعينيه لأنها لم تكف عن التكثيف اللغوي المتصل بالمعنى الشعري، لنرى بعض هذه التجليات: (الوحدة تمضي هكذا على شكل نغمة غير معقدة) (تتمسك باللاشيء الذي يشبهك) (لم يعد أمامي كثير وقت كي أعيد تربية جدائلي التي قطعت).
دائما ما تجلس الشاعرة– من خلال نصوصها في دهليز الذات، تصغي لصوتها أو لغتها مثلما تتأمل تجربتها الذاتية وهي تكتب النص ومثلما تتلاعب بها المعاني، تطل على الذات وتفتك بها لغويا، تلك حالة شعرية مغايرة تكتبها زينة عازار لكي تلهو في نفس الوقت بمعطيات المخيلة وتحاول أن تصوغ سبلا جمالية شتى زاخرة باحتمالات الحياة عبر الذات والنص وربما العكس أحيانا، لنقرأ بعض من تجليات المخيلة: (أتحدث عن شيء بعيد لكي أتحدث عن نفسي) (أصنع ندوبا من المدن الصفراء بكل هذه الكلمات الضئيلة) (كم كنت قريبة من التفكك .. كم كنت) (كمرور شخص في داخلك يترك تنهيدة طويلة) .
قد تقع القراءة النقدية احيانا في شرك المعاني الشعرية الجمالية فنكتشف أن القراءة نفسها قادرة أيضا على الفرص النقدية المحتملة للتطابق مع المخيلة التي لا تمنح شيئا للقارىء بلا مقابل أبدا وأعني هنا بجمالية المعنى، وفي ملابسات نقدية كهذه ليس على القارىء إلا أن يعلن استعداده للتعامل مع المخيلة حتى يجد كل شيء على ما يرام من التطابق الذي أشرنا إليه سلفا، ولسوف يظل استعداده مشوبا بخصوصية تشبه خصوصية الذات المتصلة بالنص الشعري .. لنطلع على بعض الالتقاطات المقاربة لهذه الخصوصية: (أنا هنا منذ الأزل ادير وجهي) (أخاف أن سمعت صوتي أن يصبح كل شيء حقيقة) (كل ما يمكنني رؤيته بالعين المجردة يحدث الآن في النقصان) وبهذا تأخذ أغلب نصوص المجموعة مفهوم الحد الأقصى – من الخصوصية – الذي يجب أن تبلغه ذات الشاعرة وأسلوبها أو تجربتها المتصلة بالكتابة الشعرية .
تكتب الشاعرة اللبنانية زينة عازار هذه الجملة الشعرية المغايرة: (عود الثقاب الذي اشتريته من محل لبيع الآلات الموسيقية) وعليه نقول: إذا كان ثمة غموض في هذه الجملة الشعرية فإنه غموض كامن في الفكرة لا في اللغة أو السرية الداخلية للنص الشعري بمجمله، ومن هنا فإن سرية النص ليست شيئاً عابراً بل تعكس مسارات ذاتية مفرطة وتقاطعات واتجاهات الواقع الجمالي والفني والرمزي وتتطور باستمرار بما يلبّي متطلبات النص نفسه، ولعل الشاعرة هنا أرادت أن تؤكد هذا المعنى عندما قاربت ما بين عود الثقاب (المفرد) والآلات الموسيقية (الحشد) ما مكّنها من بسط نفوذ المخيلة على مجمل المعاني أو التأويلات المحتملة .
المعنى عين، مثلما اللغة، نرى به العالم وما هو شعري لا يمكن أن تلتقطه عين عمياء أو نقداً أعمى وذائقة مصابة بداء قصر النظر . لنقرأ هذه المقاطع: (كلمة واحدة تقول لَونَ صوتِكَ أو رائحته.. نظرتك على يديّ وحبّك للون أظافري كأني أتحضّر لحفظ فتات صوتك الذي بدأتُ أفقده لتَحلّله مع الوقت في شغور تلك الطاولة والكراسي تماماً مثل فقداني الطويل وكبريائي المغفّل) من هنا نتساءل: هل ثمة لون للصوت أو رائحة متناثرة بين فنجاة القهوة وقطعة الحلوى ولون الاظافر وفتات الصوت والطاولة والكراسي والفقدان او الكبرياء المغفل، هل ثمة كبرياء مغفل؟ يبقى لزينة عازار امتياز شعرية التفاصيل المقاربة للذات، هذه الميزة التي ستظل رهانهاالاجمل، ويبقى لنا، كقراء، أن نصغي لصوتها الحميم وهي تصوغ لنا حميمية التفاصيل الذاتية الصغيرة من دون أن تفرط بولعها الخاص بجمالية الالتقاطة الشعرية .. كلما قرأت نصا أو مقطعا شعريا لزينة عازار تيقنت بأن ليس ثمة دوافع ولا مبرر للكتابة الشعرية سوى ذاتها .. هذه الذات التي تتعاطى مع الالفاظ المتماهية مع المعاني .
واخيرا لنتأمل صورة غلاف المجموعة وإذا ما كانت الصورة – وهي من تصميم الشاعر ناصر مؤنس – تزيد المعنى الشعري جمالا إضافيا ولأنها تفرض خيالا مفتوحا وإن الصورة من جهتها تنقل الكتابة الجمالية إلى عصيانها الجمالي عن طريق رهانها على جمال المعنى الموازي للنص وتشير بعمق إلى واحدة من جماليات الحروف في صفتها اللغوية المقاربة لحدود المتخيل .

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*