ذكّر المواطنين بحالهم قبل الثورة – شعار بعثي آخر يعود … صائب خليل

saieb_khalilفي سلسلة التراجعات والفضائح لعراق الديمقراطية الأمريكية، تسارع عدد من الظواهر التي ذكرت العراقي بحاله وحال بلده في زمن دكتاتوريو صدام والبعث التي جاء الأمريكان "لتخليصنا منها"، ومازالت هذه الظواهر تتوالى، وهو أمر له دلالة كبيرة، ربما سيكون سنتحدث به اليوم أكبرها شأنا.

ما اود الكلام عنه هنا هو حديث جلال الدين الصغير والذي اشتهر بموضوع "النستلة"، لكني سأتناول أقواله الأخرى واعدكم ان لا أمس النستلة بسوء، لأنها بالتأكيد ليست أكبر الكبائر فيه. (1)

في البداية، حاول الشيخ الصغير أن يطمئننا أن الظروف التي أدت إلى الانتكاسة الاقتصادية أمر "طبيعي"، بضمنها نزول أسعار النفط، وبالتالي علينا ألا نتشكى، إنما أن نتعود ونتحمل "تقلبات الطبيعة" بل وأن نستعد للأسوأ ونحن صابرون! لكنه اثار دهشتي عندما قال: "في كل حرب أكو نزول أسعار (نفط)"!! وانه "في 2003 كان سعر النفط 11 دولار"! والحقيقة المبدئية هي أن سعر النفط يرتفع عند الحروب ولا ينخفض، لأن الاستهلاك يزداد، كما ان الحروب تقطع مصادر النفط، وقد تدمر مخازنه وبنيته التحتية خاصة إن كانت تخاض في منطقة النفط، كما هو الحال الآن! كذلك فأنه ليس صحيحا ان سعر النفط كان 11 دولار عام 2003، (2) بل انه قد ارتفع بمقدار 19% عن معدله لعام 2002، بسبب الحرب والظروف الأخرى. لكن يبدو أن الصغير لا يعرف عن هذه الحقائق شيئا، أو هو يعرف ان مستمعيه لا يعرفون عنها شيئا وأن أي شيء يقوله "سيعبر عليهم". (3)

ثم يهيؤنا الشيخ الصغير لتقبل المصائب التي ستأتي فيقول: "إذا الصحة اضطرت أن ترفع الدعم، فانتظروا باجر.. " …"الأزمات راح تتواصل"…"واقع يجب ان تأخذوه بشكل جدي"…

ثم يلوم المواطن الذي يفكر أن المشكلة "مو مشكلتنه، وإنما مشكلة الحكومة" ويسخر من الذين يهتفون "يسقط الرئيس الحالي ويسقط الرئيس السابق ويسقط الرئيس القادم" ويعتبرها "طريقة احتقار، عبث…مو رغبة بالإصلاح الجاد"..

أما "الإصلاح الجاد" فهو كما يقترح، أن المواطن يستطيع أن يكتفي من راتب الـ الـ 100 ألف دينار بأن "تصرف منها 30 وتضم السبعين" عن طريق الاقتصاد في النفقات على النستلة وكارت التلفون وما شابه". وأنا لا اعرف شعبا في الدنيا، مهما كان مستوى رفاهه، يحلم أن يوفر 70% من راتبه، فكيف يفعل ذلك الشعب العراقي، وأثناء الأزمة؟ وبالمناسبة فالرقم الذي القى به هذا الشيخ بلا تفكير، يعني اقل من دولار واحد في اليوم، وهو أقل من نصف قيمة "خط الفقر" المعتمد من البنك الدولي، للشخص الواحد، فكيف يريد الصغير ان يكفي هذا لعائلة عراقية؟

الأمر لا ينتهي عند هذا فالحقيقة أن ليس ما قاله عن أسعار النفط فقط، خاطئ ومقلوب وإنما كل ما قاله على الإطلاق يستند إلى المغالطات والمراوغات والخدع، والحقيقة أن ذلك ليس غريبا على قيادي في المجلس الأعلى!

فأولاً، لم يكن هبوط أسعار النفط، شيء من الطبيعة أو من الله لكي "يقبله الناس" مثل القدر، بل كان قرارا سياسياً أمريكيا له اهداف محددة وهي بالضبط: تحطيم البلدان المصدرة للنفط وبشكل خاص روسيا وفنزويلا والعراق – بلد هذا الشيخ الصغير! وأهم من ذلك وأخطر، أن الوزير العراقي، وهو الوزير التابع للمجلس الأعلى الذي ينتمي إليه هذا الصغير، مشترك في هذا التآمر، واعترف بذلك وادعى أنها خطة لإخراج شركات النفط الصخري من السوق، وقال صراحة أن العراق موافق عليها! (المقصود هنا بـ "العراق" ليس الشعب العراقي بالطبع، فلا يوجد شعب يوافق على خطة لتحطيم بلاده، لكن المقصود هو الوزير نفسه، كخادم مطيع للأوامر الأمريكية). وقد بينا في مقالة سابقة (وبين الأستاذ فؤاد الأمير) أن هذا كذب لا أساس له، وأن أحداً لو أراد فعلا ان يفعل ذلك لعاقبته منظمة التجارة العالمية التي يخشاها عبد المهدي أكثر مما يخشى الله، بتهمة إغراق السوق والسعي للاحتكار.

وإذا كان الأمر كذلك فأن "أخذ الأمر بشكل جدي" هو أخذ هذه الحكومة التابعة لأميركا بشكل جدي كمشكلة جدية وكخطر جدي! وأن مشكلة أسعار النفط هي فعلا "مشكلة الحكومة" التي شاركت خطط اسيادها في التسبب بهبوط أسعار النفط عمدا ورغم الضرر الشديد لبلادها وشعبها. وأن الذين يهتفون "يسقط الرئيس الحالي والرئيس السابق والرئيس اللاحق" محقين كل الحق، فلم يأت لحد الآن رئيس حكومة لم يكن تابعا للأمريكان مطيعا لهم في اجندة تحطيم البلد، وبشكل خاص ومميز، من يجلس اليوم على الكرسي بدعم تام من المجلس الأعلى، والمشغول بتنفيذ التعليمات التي صدرت اليه عند حضوره مؤتمر دافوس قبل بضعة أسابيع، كما أوضحت في مقالتي السابقة.(4)

في الدقيقة الأخيرة من هذا الفيديو يصل الصغير إلى نقطة مثيرة للانتباه، فيقول إن الوضع سيسوء أكثر، لكن: "ما اكول راح ترجع إلى خاشوكة الدهن اللي مريتو بيها بوقت الحصار. مشكلة اجيالنا انه الجيل الجاي ما يعرف شي عن اللي جرى سابقا. ما عاشوا بهاي الأزمة…  ما مروا بها سابقا"… "لكن اليوم عليهم ان يهضمون اللي جرى في التسعينات عليهم ان يعرفون الخبز الأسود كان موجود والشلون كانت الناس تخلط الخبر مع الحشيش حتى يسووه اكل لأولادهم … كلكم عشتوا هاي الأزمة"..

لقد اثار هذا التعبير في ذاكرتي ما حدث قبل عقود، حينما المت أزمة مالية بالبعث وصارت الناس تتململ، فأصدر البعث تعليما إلى كوادره يقول: “ذكر الناس بحياتها قبل الثورة"! وكرر ذلك صدام حسين حين قال بأن العراقيين قبله كانوا "حفاي" لا يلبسون النعل، وأنه "هو" الذي جعلهم يلبسون النعال. ولم يكن صدام في الحقيقة يتكلم سوى عن نفسه وعن الحلقة التافهة التي تحيط به.

صدام والصغير وكل الحثالات التي سمنت على حساب جوع الشعب وبيع مستقبله، تطالب الناس ان تنسى المليارات التي أتت من النفط، وأن تعتبر المقياس الذي تقيس حالها به، هو أشد لحظات تاريخها فقراً، ليكون كل ما يأتي فوق ذلك فـ "خير زايد" ويجب أن يكون الشعب ممنونا به لحكامه.

وهكذا يضيف الصغير شعاراً من شعارات البعث إلى حكومته، ويزداد الحال شبها بما كان عليه أيام الدكتاتوريات واساليبها، دون ان يشابه طبعا أمن البلد ووحدته، إنما تكون التشابهات تتزايد في السلبيات فقط. والحقيقة أن هذه الحلقة في تلك السلسلة هي "ام الفضائح" لأنها تعني أن كل شيء قد خرب، ولم يعد بالإمكان الدفاع عنه إلا بمقارنته بأسوأ لحظة اقتصادية مر بها العراق في تاريخه!

طبعا الصغير لم يشر في نصائح التقشف إلى جماعته، المعروفة بأنها أكبر القطط السمان. لم يدعها أن "تتذكر حالها قبل ثورة النهب"، ولم يدعها ان تعيش على 30 ألف دينار للعائلة الواحدة، فمثل هذه الدعوات للشعب فقط! فحسب هذا "الصغير" فأن على الشعب ان ينسى مئات المليارات من الدولارات من ثروات ارضه وحق اجياله، التي تم صرفها على إثراء رفاقه في المجلس وأمثالهم، وأن يتذكر خلط الحشيش مع الخبز ويكرره كلما تأوه أو اشتكى من جوع. فما يخرج من أرض بلاده ليس له، بل لقصور عمار الحكيم ولدفع تكاليف قوات التحالف الدولي التي تساعد داعش على قتل أبناء بلده، ولبقية الحثالات المكلفين بمهمة تمزيق بلدهم.

يجب أن يقبلوا هذا ويشكروا الله الذي يسأله الصغير "أن ينقذ العراق مما هو فيه … ".. والحقيقة أن الله إن أراد ان ينقذ العراق فليس ذلك ممكنا إلا بالقضاء على هذه العصابة التي ينتمي الصغير إليها، فليس ما فيه من كارثة سوى هو وأسياده والاحتلال الذي يسترشدون بتعليماته ويحمي فسادهم. ويبدو أن الأجندة المخيفة قد فاحت رائحتها بشدة مؤخراً، فتم تكليف الصغير وامثاله بمحاولة إخفائها.

فكما صرفت السعودية الاف ملياراتها دون ان تبني دولة او مجتمع، وهاهي تتجه نحو الإفلاس، فالخطة للعراق ذاتها بل أكثر شراسة، وعلى الشعب العراقي أن يسير نحو ذات المصير، وهو قانع وراض. وكلما توجع، عليه أن يتذكر الخبز المخلوط بالحشيش، فيشكر ساسته على نعمتهم عليه و"يبوس يده وجه وظهر"!

نعم، كما قلت، إن ما يفعله الشعب – هي طريقة "احتقار"، وهو احتقار في محله تماما، ولكن الاحتقار لا يكفي لوحده. أنتم أيها الصغير، الخطر الأكبر الذي يهدد وجود هذا الشعب، لأنكم أداة الأمريكان لتنفيذ أجندتهم، فأما أنتم وأسيادكم أو العراق.. هذا هو الشيء "الجدي" الوحيد، وكل ما عداه هراء تريدون إلهائنا به. لقد أجادت إحدى القارئات التعبير حين كتبت: "على الشعب ان لا يطالب الاصلاحات من الحكومة.. بل برأسها."… وصدقت!

 

صائب خليل

…………………..

(1) الشيخ جلال الدين الصغير يجدد دعوى التقشف والادخار – YouTube

 https://www.youtube.com/watch?v=7RaykymIxho

(2) May 1987 – January 2016 monthly average Brent spot prices

https://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/0/0f/Brent_Spot_monthly.svg

(3)  World oil market chronology from 2003 – Wikipedia, the free encyclopedia

 ttps://en.wikipedia.org/wiki/World_oil_market_chronology_from_2003#2003

(4) ‏صائب خليل‏ فرص العبادي "السانحة" وتعليمات دافوس

 

 

……………………….

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*