العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم.. أزمة لقاءات أم أزمة تفاهمات ؟د. عبد اللطيف جمال رشيد المستشار الاقدم لرئيس الجمهورية

عبد-اللطيف-جمال-رشيدلعل اللقاءات التي تجمع المسؤولين في الحكومة الاتحادية مع المسؤولين في حكومة إقليم كردستان سواء التي تتم في بغداد أو أربيل أو خارج العراق هي تعبير عملي عن أزمة تفاهم حقيقية بين الحكومة الاتحادية وسلطات الإقليم.
وفي الواقع فإن مؤشرات انعدام فرص التفاهم تبدو أكبر بكثير من مجرد مناسبة اللقاء. فخلال الأعوام القليلة الماضية وصلت تلك الأزمات إلى مدى ظهر معه أن فرص التفاهم انعدمت، وكانت المشكلة أعمق حين كان يتم التوصل في تلك الأزمات إلى حلول وهمية لا تصمد طويلا بل سرعان ما تنهار في ظل غياب التفاهم الحقيقي وتنحية العمل المؤسسي جانباً والعمل بمبدأ الحلول السياسية الوقتية. فالحلول المؤقتة حلول طارئة تسمح بها المصالح والضغوط السياسية ولكن تلغيها المشكلات العملية التي تزداد على أرض الواقع في العلاقة بين الطرفين.
إن اللقاءات وخاصة تلك التي تجري في بغداد بين شتى الأطراف السياسية والحكومية ضرورية ومهمة جداً للجميع سيما للإقليم الذي ينبغي أن يرتب وضعه المالي في ضوء الإتفاقات السياسية والإقتصادية المبرمة بين الطرفين لكون بغداد هي عاصمة العراق ومركز الدولة الإتحادية. لكننا نرى أن بعض اللقاءات تكشف من جانب آخر عن حاجة الطرفين فعلاً إلى أية مناسبة للتفاهم بغض النظر عما يبعث به اللقاء من رسائل يريد الطرفان إرسالها أو أحدهما في الأقل. الأمر يحتاج الى الجدية في معالجة المشكلات والدخول في التفاصيل لإيجاد الحلول المناسبة لها.
لقد كانت الحكومة الإتحادية تتستر على الخلافات وتمشّي الحال من خلال الوفرة المالية التي كانت بين أيديها. لكن هذا الاستعمال السياسي للمال العام هو بعض من المشكلات العاصفة التي وجدت الحكومة نفسها فيها بعدما عصفت أزمة أسعار النفط بهشاشة البناء المالي والاقتصادي للدولة العراقية ولسلطاتها التي باتت مكشوفة الظهر في ظل وضع أمني وسياسي ومالي لا يسمح بأي تماهل. أما في الإقليم فالمشكلات لا تقل ضراوة عما تعانيه الدولة العراقية ككل.
أزمة الرواتب هي المظهر الأولي، وهو مظهر شديد الخطورة، لكثير من الأزمات التي ما زالت الى حدٍ ما قيد التحكم بضغط القوى السياسية النافذة في الاقليم، ولا أحد يدري متى تفقد هذه القوى القدرة على مواصلة الانضباط. والغريب أن البعض يروّج الأكاذيب ويوجه إتهامات باطلة لشخصيات معروفة بأنها هي المسؤولة عن قطع الرواتب في الإقليم!
في الحقيقة يبدو المظهر الآخر المتعلق بالتراخي أو تقليل فرص ممارسة الحياة الديمقراطية داخل أكثر من حزب رئيس في الإقليم هو ما يضع الديمقراطية في الاقليم على المحك وأمام تساؤلات لا تريح كثيراً من الأطراف في كردستان.
إن تعطيل البرلمان بموجب مبدأ وصلاحيات غير دستورية هو التعبير الأشد دراماتيكية عن مشكلة الديمقراطية ومأسستها في الإقليم. هذه مشكلة عملية صارخة تعبر عن أزمة التفاهم داخل الإقليم، فضلاً عن انها تفضح تعطيل العمل المؤسسي والدستوري.
لكن حكومة الاقليم معطلة هي ايضاً، وما يتسرب عن توفر أغلبية برلمانية تسمح بسحب الثقة من الحكومة وتعمل على تشكيل حكومة جديدة هو واحد من وجوه توتر الصراع واشتداد الأزمات بين أطراف البرلمان المنتخبة، فيما البرلمان معطل. إنه صراع حقيقي وحساس جدا في ظروف مثل ظروف الاقليم وتاريخ تصارعات القوى فيه، وإن حقيقة خطورة الصراع تكمن في كونه خلافاً جذرياً يبدأ من الموقف من رئاسة الاقليم ولا ينتهي عند طبيعة بناء الحياة الحزبية داخل كل حزب من الأحزاب.
مع هذا يظل المواطن معنياً أولا بخبز أطفاله وحياة عائلته المهددة. وليس من المعقول إزاء هذا التهديد اليومي بالمعيشة الذي يتعرض له المواطن في كردستان أن تستمر بعض القوى السياسية في مراعاتها للتفاهم السياسي الهش في ما بينها.
وليس من المعقول أيضاً أن تستمر الحكومة الاتحادية بالصمت في مواجهة مسؤولياتها الدستورية عن حياة وعيش مواطنيها في إقليم كردستان.
إن الحرص على الصمت الذي يمكن أن تتذرع به بغداد من أجل إبقاء صلة هي هشة سلفاً بين الحكومة الاتحادية وسلطات الاقليم هو غير ممكن وغير مقبول من منظور دستوري وحتى إنساني مهما كانت الظروف العاصفة التي تحيط بالعلاقة بين الطرفين وبالبلد بنحو عام.
فحين تعجر الحكومتان عن التفاهم ينبغي فتح قنوات أخرى للتفاهم، ولابأس في أن يبادر مجلس النواب العراقي بالتفاهم مع البرلمان المنتخب في الإقليم والوصول إلى خارطة طريق أولية تكون خط شروع لعمل حقيقي بين الحكومتين. وهذا يتطلب عودة برلمان الاقليم ليمارس مسؤولياته ويستأنف نشاطه من حيث توقف.
إن من مسؤولية مجلس النواب العراقي الضغط من أجل استئناف الحياة الديمقراطية في الاقليم, ومن مسؤولية الحكومة الإتحادية الإهتمام أكثر بمشكلة عدم دفع الرواتب من قبل حكومة الإقليم والعمل على تدقيق صادرات النفط واعتماد مبدأ الشفافية في عمليات بيع النفط وكيفية صرف الواردات المالية من أجل تحقيق مبدأ العدالة الإجتماعية وإنهاء معاناة الشعب في الإقليم. ومنذ البداية اقترحنا على الحكومة في الإقليم عدم بيع أو تصدير النفط من دون وجود قانون تفصيلي ينظم هذه العملية (قانون النفط والغاز) كما طالبنا بالتركيز على بناء البنية التحتية وتدوير عجلة الصناعة في الإقليم وخاصة الصناعة النفطية ولكن مع الأسف لم تؤخذ الاقتراحات على محمل الجد بل كان الجواب في كل الحالات واحداً وهو التركيز على إستقلالية الإقليم المالية من دون التقيد بالضوابط والأطر القانونية الإقتصادية أو الإدراية.
إن مسؤولية معالجة الخروقات الدستورية تقع على عاتق الجميع إذ ليس من صالح أي أحد إستمرار الحال على ما هو عليه, مثلما الأمر بالنسبة لوضع رئاسة الإقليم وتعطيل البرلمان والجهاز التنفيذي للحكومة, خصوصاً وأن بعض المسؤولين الحكوميين ومعظم السياسيين قد انتهت مدد ولاياتهم الدستورية, وبذلك انتهت شرعية حكومتهم في الحكم أو شرعية مسؤولياتهم الحزبية.
لا ينبغي لأي جهة الإكتفاء بدور المتفرج.
حينما تشتعل النار، لا سمح الله، في أي مكان فإن الحريق لا يميز بين لاعب بالنار وآخر يتفرج عليها.

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*