مناهج الشرق والغرب في تحقيق الديمقراطية في الدول العربية…د .سعد عبد الوهاب كاتب عراقي

سعد-عبد-الوهاب-شاكر-300x248هذا موضوع شائك وطويل لا يحلم إنسان عاقل ان يعطيه حقه بمقالة او كتاب او عشرين كتاباً. لقد تصدى الكثير من المفكرين لهذه المسألة مثل طه حسين، ساطع الحصري، محمد الجابري، ادورد سعيد وغيرهم بأعمال وكتابات معرفية عميقة. كل ما اطمح اليه فيه هو ان انجح بوضع السؤال وان أورد بعض الامثلة لفتح باب النقاش لا اكثر.
لا توجد «محكمة ثقافية» تقرر كم يأخذ الشرق الحالي من الغرب. هناك رأي يقول نأخذ «منهم» ما نريد ونبقي على ما نريد من سلوكية منهجنا وارثنا، يعني ان نجمع بين احسن الاثنين. كلام جميل ولكن ماهو الممكن؟
هناك اتجاه يتفق على رفضه كل العاقلين يقول نمشي على طريق اسلافنا وديننا ولا نأخذ شيئاً من الغرب. مريدو هذا يحكمون الرقة والموصل حالياً حكماً همجياً بربرياً لاتوجد فيه ولا حتى ملامح لسلوك انساني متحضر. وهم كذلك كاذبون في ادعائهم فهم يستعملون المدفع والرشاشة والسيارة وكلها منتجات الحضارة الغربية التي هم ينفونها جملهً وتفصيلا.
الرأي المقابل يقول على العرب الذين فشلت حضارتهم في العصر الحديث ان يطبقوا الحضارة الغربية جملةً وتفصيلا. هم يقولون انظروا الى الذين أوصلوا انساناً الى القمر واحدثوا الثورة العلمية والطبية والتكنولوجية الهائلة. مالكم؟ قلدوا هذا، الا تريدون ان تصير طنطا مثلاً بمستوى برمنغهام، ماذا بكم مترددون؟
وهناك رأي ثالث يقول كما اسلفت لانريد هذا ولا ذاك. لنأخذ مانريد من حضارة الغرب ونُبقي على مانريد من إرثنا وحضارتنا. السؤال الصعب هو كم وماذا يؤخذ وكم وماذا يُتمسك به؟
مايُعَقِد المسألة هو ادخال الدين الاسلامي من قبل البعض في هذا الحوار، لان درجة عالية من التمسك بالنواحي السلوكية من الدين والتمسك بالشريعة الاسلامية تقلل من مدى تقبل معايير وتطبيقات الحضارة الغربية الناجحة في محلات اخرى في العالم.
اذا أردنا ان نفكر بأمثلة تاريخية عن المواقف المتباينة من دخول الحضارة الغربية الى العراق فان مثالاً جيداً يكون المقارنة بين موقف المرجع الشيعي الأعلى اليزدي والمراجع الكبار الآخرين في النجف بعد نهاية الحرب العالمية الاولى ليس فقط في معارضة الوجود الإنجليزي في العراق واصدار فتاوى بتشكيل مجالس محلية لأدارة البلاد بل معارضة الدولة العراقية الناشئة وبين ماانجزه الملك فيصل الاول ورفاقه في بناء دولة مدنية في العراق مزجت بين معايير الشرق والغرب. طبعاً سيبقى في رحم اللامعلوم الى الأبد ماذا كان سيحدث لو ان السيد الشيرازي ومراجع النجف الكبار الاخرين كانوا قد انتصروا وحققوا كل ماارادوا.
مثل آخر (اضافه الى نجاح فيصل الاول في العراق) في احداث التوازن بين الغرب والشرق هو النجاح الذي حققه الحبيب بورقيبة في تونس.
من النقاط المهمة التي يجب ان تؤخذ بنظر الاعتبار في هذا الصدد هو ما حدث مرات عديدة في العالم العربي بأخذ الشكل من الغرب من دون المضمون ثم لوم المنهج الغربي على الفشل. البرلمان العراقي بعد ٢٠٠٣ هو مثال على ذلك، ظاهرياً يبدو انه مجلس نيابي منتخب يمارس صلاحيات دستورية، الا انه في الواقع تجسيد لعلاقات توافقية مبنية على الطائفية والمناطقية والعشائرية.
من ناحيه اخرى كانت هناك تجارب فاشلة جرى فيها اخذ المنهج الخارجي كالأساس الذي يُعمل به من دون التفكير بواقع الحال، مثلاً هذا ماحدث لدى الشيوعيين في محاولة تقليد لثورة بروليتارية في مجتمع لاصناعة فيه.
ان ماحدث في العراق بعد ٢٠٠٣ مثلاً هو تجربة فاشلة على شتى الاصعدة. لقد اعتقد الاميركان وبعض العراقيين انه من الممكن فرض نظام ديمقراطي بعد القضاء على نظام صدام الدكتاتوري الدامي . لقد ايقنت الولايات المتحدة بفشل هذا المشروع وتحول كلام ساستها الى ان الاهداف في العالم الثالث يجب ان تكون «إيجاد احسن الانظمة التي تلائم تلك الشعوب» وانه «لايمكن فرض انظمة سياسية ديمقراطية الى ان تكون الشعوب مستعدة لها». مشاريع فرق العمل من العراقيين التي شُكلت من قبل وزارة الخارجية الاميريكية قبل ٢٠٠٣ التي كتبت تقارير حول «خطط» لشتى نواحي الحياة بعد٢٠٠٣ لم تأخذ بنظر الاعتبار مدى تقبل الحالة السياسية العراقية وبالذات قوى المحاصصة التي تسلمت السلطه لنظام ديقراطي حقيقي. لان الذي وُضع من قبل مجاميع وزارة الخارجية الاميركية في تلك التقارير كانت افكار نظرية لم تحسب حساب الواقع وصارت بعيدة عن الذي حصل بعدها.
هناك تجارب في الدمج بين الشرق والغرب متسمة باقدار مختلفة من النجاح. تجربة الهاشميين في الاْردن مثلاً، مع ان نظام الحكم هو ملك يحكم (ليس ملكاً يملك ولا يحكم على غرار الملكيات الاوروبية في العصر الحالي) لكن تبدو ان الاْردن تسير مسيرة بطيئة فيها الكثير من الحسنات.
يقول الكثير من المعلقين الغربيين، وهم محقون، انه لاتوجد الان ديمقراطية حقيقية في أي بلد عربي. السؤال الاصعب هو هل يمكن ان تنمو ديمقراطية حقيقية في أي بلد عربي اذا اخذنا بنظر الاعتبار البنية الدينية والاجتماعية والتاريخية لهذه المجتمعات؟.
الاستنتاج او الجواب هو ان تطبيق المنهج الشرقي الصافي او الغربي المُقَلِد كلياً فشلا وسيفشلان في تحقيق ديمقراطية حقيقية في البلدان العربية. المزج بين الاثنين هو الطريق الانسب. يبدو ان هناك تجارب لجمع الاثنين مثل تجربة بورقيبة في تونس وتجربة الهاشميين في العراق والأردن وان لم تنجح هذه التجارب الثلاث في بناء ديمقراطيات حقيقية الا انها كانت انجح من غيرها في المسير على الطريق الصحيح.
النقطة الأساسية تبقى ان كل نظام لا يعطي المواطنين الحق المتساوي للمشاركة بالسلطة الحقيقية ولم يحترم الحقوق الأساسية للإنسان هو نظام استبدادي يجب ان يُحارب.الحاجة ماسة لايجاد منهج سياسي رصين لتحقيق هذا بالاستفادة والبناء على اسس التجارب التي توفقت احسن من غيرها في الأقل جزئياً. أي عمل غير هذا هو خطأ لن يغفره التاريخ.

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*